الخصائص المميزة للتخطيط الاستراتيجي في التعليم العالي

يعظم الاهتمام هذه الأيام بالتخطيط الاستراتيجي في الأوساط التعليمية والأكاديمية كأحد أهم الأدوات والأساليب الإدارية المثالية لحل العديد من المشكلات المتعلقة بإدارة العمل الأكاديمي داخل الجامعات. فالفشل في تحقيق الأهداف العليا التي من أجلها أنشئت الجامعة ، والنقص في الموارد المالية والبشرية والمادية المعززة للأنشطة والمشاريع الجامعية، والصعوبة المتعلقة باختيار البدائل والاستراتيجيات المناسبة وتحديد أولويات العمل من بين جملة من القضايا الهامة لمتخذي القرار وصناعه في الأوساط الجامعية ، كل هذه وغيرها جعلت الأكاديميين يتطلعون إلى حل العديد من المشكلات القائمة والمتوقعة باستخدام مبادئ ومفاهيم وأدوات التخطيط الاستراتيجي .
وعند الحديث عن التخطيط الاستراتيجي كأداة إدارية تستخدم لتوجيه القرار وتوحيد الجهود نحو غايات المنظمات وأهدافها العليا ، فإننا نتحدث عن عشرات النماذج والمناهج للتخطيط الاستراتيجي المستخدمة في نطاق الأعمال التجارية ، جاءت هذه النماذج  والمناهج استجابة للحالات الخاصة التجارية للمؤسسات والشركات ، حيث يتم تهيئة النموذج المراد استخدامه لتحليل وتخطيط وتنفيذ الاستراتيجية وفقاً لحاجات ومشكلات وتطلعات الجهة التي تستخدمه. وينبغي الإشارة في هذا المجال إلى عدم وجود نموذج مثالي يمكن تعميمه للتخطيط الاستراتيجي على جميع المؤسسات والشركات.
وإذا كنا نتحدث هنا عن عدم إمكانية تطبيق نموذج مثالي للتخطيط الاستراتيجي لشركتين تعملان في  نفس النشاط التجاري ، فإن إمكانية تطبيق نفس النموذج الذي تستخدمه شركة ما على جهة أكاديمية أو تعليمية يكاد يكون شبه مستحيل ، إذ تختلف الظروف والسياقات والتوجهات بشكل كبير بين القطاعات التجارية والقطاعات الأكاديمية وبخاصة الحكومية ، وهذا يعني أن تولي الجامعات أهمية كبرى في تهيئة وتخصيص النموذج الخاص بالتخطيط الاستراتيجي المراد استخدامه في الوسط الأكاديمي ، وذلك للتأكد من نجاح الجهود التي سيتم بذلها في كافة مراحل وعمليات التخطيط الاستراتيجي ، والتأكد كذلك من الوصول إلى مشاركة وفهم أكبر من الأكاديميين لعمليات ومناشط التخطيط الاستراتيجي.

وسأعرض فيما يلي لأهم القضايا التي يختلف فيها التخطيط الاستراتيجي في قطاع الأعمال عنه في القطاع التعليمي والأكاديمي :
- القيم والمبادئ التي تحكم النظام :
o تختلف المبادئ والقيم التنافسية التي تحكم النظم في قطاع الأعمال بما فيه من منافسة شديدة على تعظيم الربحية والفوز بحصص سوقية أكبر عن نظيراتها في الجامعات كمستثمر- على المدى الطويل- في تعليم الناس وتثقيفهم وتهيئتهم لدخول سوق العمل. ويفرض هذا الاختلاف في القيم المتبناة في كلا القطاعين اشتراطات خاصة في المنهج المتبع في التخطيط الاستراتيجي .
- الإطار الزمني للخطة الاستراتيجية:
o بيئة قطاع الأعمال هي بيئة ذات طبيعة سريعة التغير، فالعامل الزمني هو أحد أهم العوالم الحاسمة في قوة المنافسة بين الشركات والمؤسسات ، كما أن العمليات الإنتاجية لا تستغرق وقتاً طويلاً ، والنتائج والمخرجات والتغذية الراجعة من العملاء سريعة الأثر على قطاع الأعمال، ولذا فإن الخطط الاستراتيجية في قطاع الأعمال توضع على فترات قصيرة المدى تقدر بسنة أو سنتين ، وفي المقابل فإن العمليات المتعلقة بالإنتاج في البيئة الأكاديمية تستغرق سنوات عديدة للحكم على مدى جودتها وكفاءتها ، وبالتالي فإن الخطة الاستراتيجية ينبغي أن تستغرق وقتاً أطول للحكم على جودة الاستراتيجيات في الوصول إلى الأهداف التي تم تعريفها في الخطة الاستراتيجية ، ولذا فإن التوقيت الزمني المتبع في وضع الخطط الاستراتيجية لمؤسسات التعليم العالي يتراوح من ثلاث إلى خمس سنوات ، بينما يتعدى  ذلك في بعضها إلى عشر سنوات .
- المشاركة والوصول إلى الإجماع :
o يأخذ نموذج التخطيط الاستراتيجي في قطاع الأعمال المنظومة الهرمية ، حيث يتم اتخاذ السياسات والاستراتيجيات والقرارات على مستوى الإدارة العليا ، ولا تحدث مشاركة واسعة من العاملين في اتخاذ القرار مع أهمية ذلك في نجاح العمل الجماعي داخل المنظومة التجارية . وفي المقابل فإن الحالة تختلف كثيراً في مؤسسات التعليم العالي ، فمشاركة الأكاديميين في عمليات التخطيط وصناعة القرار تعد أمراً مفصلياً في نجاح الخطة، كما أن الحصول على الإجماع قبل وأثناء عمليات التخطيط الاستراتيجي يعد أمراً هاماً للجامعة التي تتبنى مفاهيم التخطيط الاستراتيجي ، حيث إن إصدار التوجيهات بشكل مباشر للأكاديميين –كما يحدث للموظفين في الشركات وقطاع الأعمال -يعد أمراً متعذراً ، وذلك بسبب ضعف السلطة المركزية في المؤسسات الجامعية .
- المقاييس وضبط الأداء:
o عند التعامل مع الأدوات والآلات الصناعية ومسائل الإنتاج والتسويق والربحية في قطاع الأعمال ، فإن الأمر يبدو سهلاً في ووضع مقاييس واضحة وصريحة لقياس مستوى الأداء والعائد منه ، ولهذا تكثر المناهج والأدوات المستخدمة في قياس مستوى الأداء في قطاع الأعمال ، بينما يصعب استخدام أكثرها في المجال الأكاديمي والتعليمي ، فالقياسات المتعلقة بالربحية وتعظيم الفائدة والعائد على رأس المال هي أدوات يتم الاستفادة منها بصعوبة وبشكل محدود في الجانب الأكاديمي . ولذا ينبغي تكييف هذه المناهج لتصبح صالحة للتطبيق على مستوى مؤسسات التعليم العلي ، كما أنه يجب الحذر في تطبيق القياسات المتعلقة بالأداء الأكاديمي للطلاب والطالبات لتداخل المتغيرات المؤثرة في الأداء.
- العملاء :
o لا يوجد هناك تعريف دقيق للعميل في مؤسسات التعليم العالي، فالطالب والموظف والمجتمع بكل أطيافه يمكن اعتبارهم عملاء، ونتيجة لذلك فإن الوصول إلى إجماع حول وضع أهداف عليا للجامعة تتفق وهويتها ورسالتها يعد أمراً مثيراً للجدل في الأوساط الأكاديمية. ولهذا فإننا نلجأ في تعريف العملاء لاستخدام مصطلح الشركاء الداخليين والخارجيين للوصول إلى تعريف محدد وواضح للعملاء يمكن التعامل معهم في وضع الخطة الاستراتيجية ، مع اليقين بأن الوصول إلى مستوى عالي في رضا العملاء هو أمر متعذر في مؤسسات التعليم العالي .
- إحداث التغيير :
o يسهل إحداث التغيير في عالم قطاع الأعمال ، فهو يعيش بيئة مضطربة متغيرة ويتحتم على الشركات والمؤسسات العاملة في مجال قطاع الأعمال إحداث التغيير على كافة المستويات متى ما أرادت المحافظة على مكانتها في سوق العمل  . ولهذا تستخدم العديد من الشركات والمؤسسات مبدأ السلطة في إحداث التغيير  ليطال كل شيء حتى تغيير الهوية أو النشاط الرئيس . أما بالنسبة لإحداث التغيير في مؤسسات التعليم العالي فالأمر مختلف كثيراً ، ذلك أن طبيعة الجامعات وما تتمثله من مبادئ الحفظ والصيانة تجعل من قبول التغيير أمراً صعباً ، كما أن مقاومة التغيير في المجال الأكاديمي والتعليمي قد تعطل أو تقضي على محاولة إحداث التغيير أياً كان سببه أو نتيجته .