مفهوم الاستراتيجية


كنا في حلقة تدريبية قبل فترة من الزمن حول التخطيط الاستراتيجي ، وقلما حضرت أو حاضرت في حلقات تدريبية حول هذا الموضوع إلا ويبرز التساؤل المعتاد ما هو تعريف الاستراتيجية ؟! ،
لقد أفقد كثير من الناس جوهر هذه الكلمة فلاكتها ألسنتهم وأضافوها إلى حديثهم  وكلماتهم كقولهم الخيار الاستراتيجي ، الخطة الاستراتيجية ، القرار الاستراتيجي ، الرؤية الاستراتيجية وذلك دون إدراك حقيقي لمعناها وفحواها...لقد جرد هؤلاء الناس هذا المفهوم من كل معانية العملية ووضعوه في إطارٍ نظري لا يعطي معناً مفهوماً .
دعوني أعود للحلقة التدريبية....، لقد مضت الأيام في تلك الدورة كما تكون أجمل الدورات وأروعها وكنت أتعجب أن تنتهي الدورة من غير أن يكون سؤال الاستراتيجية حاضراً ، لكن عجبي لم يدم!!! ، ذلك أننا عند ختام الدورة وقبيل تسليم الشهادات ، انتزع أحدهم المايكروفون ليتحدث وكنت أظنه شاكراً أو على أو مودعاً ، غير أنه قال : رؤية إستراتيجية، خيار استراتيجي، قرار استراتيجي ،،، ما هو تعريف الاستراتيجية ؟ فاستجبت له بحديث مبسط حول معناها لضيق الوقت،  وزورت في نفسي أن أبسط لها مقالاً  خاصاً  أرجو أن يساعد في تجاوز المفاهيم النظرية إلى الأطر العملية للمعنى ، فإلى الاستراتيجية !
تعود كلمة الاستراتيجية إلى المفهوم المستخدم في الحروب القديمة ، والتي تعني فيما تعنيه مناورة الوحدات العسكرية ووصولها إلى مكان ما قبيل وصول العدو إليه. وهنا تعني الاستراتيجية إعادة انتشار،وعند وصول العدو لنفس المكان أو قريب منه فإننا ننتقل إلى مفهوم آخر هو التكتيكات .
يعرف العالم B. H. Liddell Hart الاستراتيجية العسكرية بأنها : فن توظيف المعارك كوسيلة لتحقيق الهدف من الحرب " وهو تعريف جميل وواضح ، غير أن هذا التعريف كان مستخدماً في المجال العسكري ، وقد استخدم استخدامات كثيرة وتغير في مفهومه عندما استخدم في قطاع الأعمال التجارية.
ولهذا فقد وظف  الأب الروحي للتخطيط الاستراتيجي George Steiner -الذي يعد كتابة " التخطيط الاستراتيجي " المرجع الأول في الكتاب المقدس في التخطيط الاستراتيجي- مفهوم الاستراتيجية في قطاع الأعمال بقوله " الاستراتيجية هي  طريقة منافسة الخصوم الحاليين أو المتوقعين . وأشار بأن الاستراتيجية تستخدم في أمور ثلاثة هي :    
 1- العمل الذي تقوم به الإدارة العليا وهو ذو أهمية بالغة للمنظمة .
2- تشير الإستراتيجية للقرارات الرئيسية التي تحقق المهمة أو الغرض من المنظمة.
3- تحتوي الإستراتيجية على الأعمال الرئيسية التي تحقق توجهات المنظمة.
ويمكن للقارئ الكريم ملاحظة تعلق الاستراتيجية  بالنهايات التي تسعى لتحقيقها المنظمة  سواءً كانت عن طريق قرارات أو برامج أو أهداف.
في كتابه صعود وسقوط التخطيط الاستراتيجي  أشار  Henry Mintzberg بأن الناس تستخدم الإستراتيجية بطرق مختلفة أشهرها الاستخدامات الأربع التالية :
1- الاستراتيجية هي الخطة " الكيفية " أو الوسيلة التي تمكننا من الانتقال من الوضع الراهن إلى الوضع المرغوب .
2- مجموعة الأعمال التي تنتهجها المنظمة عبر وقت طويل من الزمن ، مثل شركة تسوق عادة لمنتجات عالية الثمن .
3- عبارة عن تنظيم أو وضعية تؤثر على القرارات في تقديم منتجات معينة أو خدمات معينة لأسواق معينة .
4- هي المستقبل المنظور أي الرؤية والاتجاه .
في التعريف السابق للمفكر هنري إضافة جميلة لمعنى الاستراتيجية ، وذلك عندما قال  ( POSITION) أي مكانة، هذه المكانة تؤثر على قرارات الشركة المصيرية وتميزها عن غيرها .
ويتسق هذا المعنى – التميز- مع حديث المفكر Kenneth Andrews حول مفهوم الإستراتجية التضامنية ( المشتركة ) حيث عرف الاستراتيجية بأنها " عينة من القرارات المعمول بها في شركة ما والتي تحدد وتوحي بأهدافها وأغراضها ومراميها وتضع السياسات الرئيسة والخطط لإنجاز أهداف الشركة ، وتحدد مجال عملها، وهويتها التي ينبغي أن تكون عليها ، والطبيعة الاقتصادية وغير الاقتصادية التي ستسهم بها الشركة لشركائها وموظفيها وعملائها والمجتمع بشكل عام .

وبالتالي فإن أي شركة لها هوية مميزة فإن ذلك يلزم منه وجود استراتيجية واضحة  ومعلنة ، خذ على سبيل المثال الهوية الممميزة التي تتمتع بها شركات كبرى مثل شركة أرامكو ، جنرال إلكترك ، وول مارت ، مايكروسوفت ..... وغيرها من الشركات الناجحة والتميزة في مجال قطاع الأعمال .
ويلزم من تبني مفهوم الهوية المميزة للمنظمة أو الشركة تبني مفهوم آخر وهو التنافسية والتي تجعل المنظمة فريدة في مجالها عن غيرها من المنظمات ، وقد تبنى هذا المفهوم وصرح به العالم  Michael Porter في كتابه الاستراتيجية المنافسة . حيث يرى بأن الاستراتيجية التنافسية هي : الاختيار المتأمل بين مجموعة من النشاطات المختلفة للوصول إلى خليط من القيم التي تفرد المنظمة عن غيرها .  وهذا يعني أن الاستراتيجية تتعلق بوضع تنافسي للمنظمة ، بتمييز نفسك عن غيرك في عيون العملاء ، وبوضع قيم من خلال نشاطات مختلفة عما يقوم به المنافسون .
يقود العمل على الاستراتيجية اتخاذ الاتجاه وتحديده ، وهذا ما قاله الكاتب Kepner-Tregoe الذي عرف الاستراتيجية بأنها "الإطار الذي يرشد الخيارات التي تحدد طبيعة اتجاه المنظمة" . ويمكن استخلاص أمرين من هذا التعريف المبسط الأول : اختيار المنتجات أو الخدمات التي ستقدمها الشركة ، والثاني : الأسواق التي تستهدفها ، وعند الحديث عن الأسواق والمنتجات فإن الإدارة والتفكير الاستراتيجي توجه ذلك كله كما يرى الكاتب Michel Robert والذي يركز في حديثه دائماً اتخاذ قرارات مصيرية متعلقة بأربع عناصر عند الحديث حول  مفهومي " الإدارة الاستراتيجية و التفكير الاستراتيجي  :
1- المنتجات والخدمات
2- السوق .
3- العملاء
4- المنطقة الجغرافية.
ويعتقد مايكل بوجود قوة موجهة واحدة يمكن أن تكون أساس الاستراتيجية والمحرك لها مع إيمانه بأن هناك قوى عشرة موجهة أخرى :
1- المنتج – الخدمات .
2- منهج تسويق المبيعات .
3- المستخدم – العميل .
4- منهج التوزيع .
5- نوعية السوق .
6- الموارد الطبيعية .
7- كفاءة وقدرة المنتج .
8- عامل النمو – الحجم .
9- التقنية .
10- العائد – الفائدة .
إذاً واحدة من القوى الموجهة السابقة يمكن أن تستمد منها الاستراتيجة تكوينها وصياغتها . إن فكرة حصر قوة واحدة يمكن أن تشكل الاستراتيجية بدأ يتطور شيئاً فشيئاً ، حيث جاء المؤلفانTreacy and Wiersema ،وهما مؤلفا كتاب " خطة (نظام) قادة السوق " حيث أكدا على أن الشركات تحصل على المكانة القيادية في السوق بتضييق وليس بتوسيع التركيز في مجال العمل .( أي التركيز على شيء واحد وبذلك الجهد للتميز فيه ) ، وقد عرف المؤلفان ثلاث قيم انضباطية يمكن أن تكون أساس وضع الاستراتيجية : الامتياز التشغيلي ، مودة العميل ، وزعامة المنتج . وكل قيمة من هذه القيم لها متطلباتها المختلفة .
قلت : وللوصول إلى تبسيط للمفهوم فيمكن تخيل الاستراتيجية بأنها  ذلك الجسر الذي بدايته عند ( السياسات العامة ، الأهداف العامة ، الغايات والأغراض العامة ) ونهايته عند البرامج والأنشطة والمبادرات الفعلية . دعونا نقول بأن الاستراتيجية هي الوسيلة والطريقة التي ننتقل عن طريقها من وضع حالي إلى وضع مأمول ، أي أننا إذا قلنا خطة استراتيجية أو قرار استراتيجي أو خيار استراتيجي أو ..... فإنه لا بد من توافر رؤية وغاية نهائية ، وضعية تميز المنظمة عن غيرها ، مجموعة من الأهداف والغايات تحقق الرؤية ، مجموعة من البرامج الفعلية التي تحقق الأهداف . كل ذلك مبني على معرفة حقيقية بواقع الأداء للمنظمة.