الأخبار - وداعاً شهر الصيام والقيام 

  وداعاً شهر الصيام والقيام

 

الأستاذ الدكتور أحمد بن يوسف الدريويش 

رمضان أيام وليال مضت.... وصفحات أعمال طويت... وحسنات قيدت.. وها نحن نستعد لوداعه فقد أذن بالرحيل انقضت أيامه السعيدة، ولياليه المباركة تحمل بين طياتها أعمال الصالحين الصائمين المخلصين القائمين الطيبين من أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم....وتحمل في طياتها كذلك أعمال المقصرين المفرطين الذين اقترفوا السيئات واقترفوا الآثام والذنوب والمعاصي وشتان ما بين عامل طائع... وبين مقصر مفرط... فيا ترى من الفائز المقبول فنهنيه ومن المقصر المسيء المحروم فنعزيه (( أم حسب الذين اقترفوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون))

فالذين اجترحوا السيئات  حياتهم في هذه الدنيا مضطربة، وقلوبهم خربة قال الله تعالى: ((أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ))

وأما حياتهم الأخروية فهي كما قال تعالى: (( وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آياتي هزواً وغرتكم الحياة الدنيا  فاليوم  لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون)) فهم إذاً لا يستوون مع عباد الله المؤمنين المتقين لا في حياتهم الدنيا ولا في حياتهم الأخرى.   

((فالذين آمنوا واتقوا فيدخلهم ربهم في رحمته وذلك الفوز المبين))

فهنيئاً لمن فاز في هذا الشهر المبارك وصام أيامه، وقام لياليه إيماناً واحتساباً وطاعة للملك الرحمن ووقف عند حدوده فأحل الحلال، وحرم الحرام، واجتنب المتشابه، واحتاط لدينه، وتهذبت نفسه، وزكت روحه في هذا الشهر وعمر أوقاته بالعمل الصالح.... ووصل رحمه من أقاربه ومن تربطه بهم صلة القربى ولحمة النسب .. وبر بوالديه وأحسن إليهما وتصدق عنهما وأصلح ذات بينه .. وعطف على أولاده وأزواجه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وتزود من التقى ووفق لقيام ليلة القدر مخلصاً... هنيئاً لمن كان هذا عمله .. وذاك صنيعه .. ورضا ربه وجنته مبتغاه..

فهو ينتظر العيد بشوق ولهف... يعلو وجهه الرضا، واليقين بوعد رب العالمين العزيز الحكيم الكريم الذي يعطى الجزيل (( إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )) فهو ينتظر في هذا اليوم المبارك جائزته، وأنعم بها من جائزه  ...عفو ورحمة ومغفرة وعتق من النار.. كما وعد الله الصائمين القائمين المخلصين الصادقين ....

كان حال السلف عند وداعه ما بين خوف ووجل من رد العمل ودعاء وفرح بالقبول قال تعالى  : (( والذين يأتون ما أوتوا وقوبهم وجلة))

وكانوا يدعون الله ستة أشهر بعد خروج هذا الشهر أن يتقبله اللهم منهم خشية وخوفاً من رده... ذلك أنهم كانوا كما حكى ذلك عنهم علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- لقبول العمل أشد اهتماماً منهم بالعمل نفسه.. مصداقاً لقوله تعالى  : (( إنما يتقبل الله من المتقين ))

ولنا أن نعتبر في حالهم فنجد ونجتهد بالعمل الصالح المتقبل المبرور.. وأن نأخذ العبرة والعظة من سرعة انقضاء الليالي والأيام .. فإن ذلك مؤذن بدنو الآجال، وانقضاء الأعمار... أثر عن عبدالله بن مسعود ــ رضي الله عنه- أنه كان يقول في آخر هذا الشهر أو عند رحيله:(( مَنْ هذا المقبول منا فنهنيه ومَنْ هذا المحروم فنعزيه،

أيها المقبول هنيئاً لك،

أيها المردود جبر الله مصيبتك ))

هذا وإن لقبول العمل علامات من أولاها :

اتباع الحسنة بالحسنة.. فذلك دأب الصالحين... فعليه أن يداوم على العمل الصالح عامه كل من غير فتور أو نفور.. مع عدم تكليف نفسه مالا تطيق.. بل يداوم على عمله الصالح وان قل .                                                           

فالثبات على الطاعة مطلب شرعي في رمضان وبعد رمضان فرب رمضان، هو رب غيره من سائر شهور العام ..

وقد أثر عن بعض السلف عن أناس يتعبدون في رمضان ويجتهدون فيه، فإذا انسلخ رمضان تركوا الجد والاجتهاد في العمل بل ربما تركوا العمل كله .. قال :(( بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان ))

كما أن مما يشرع للمسلم بعد رمضان أن يتبعه بصيام ستة من شوال فإن من صامها مع رمضان فكأنما صام الدهر كما في الحديث: (( من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان  كصيام الدهر))

اللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .. ونحمدك سبحانك على نعمة الوفاء والتمام ..كما نسألك سبحانك كما بلغتنا إياه وأعنتنا على صيامه وقيامه فاجعلنا فيه ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وولاة أمرنا من عتقائك من النار..

اللهم وأعده علينا أعواماً عديده، وأزمنة مديدة ونحن وبلادنا وولاة أمرنا وكافة إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأمن وإيمان وصحة وعافية وسعادة

وكل عام والجميع بخير

كتبـــــــــــــه:

أ.د. أحمد بن يوسف الدريويش