الدكتور اسامة الخميس يشارك في الحملة الوطنية لمكافحة التدخين 

التدخين وردة فعل المجتمع


د. أسامة بن عبدالرحمن الخميس * 

 تحتاج مسيرة التدخين في بلادنا ومواقف المجتمع منه إلى تتبع تاريخي وحث اجتماعي، فقد كان لا يمارس إلا بالخفية وكان معرفة أن رجلا ما يدخن بمثابة تلطيخ لسمعة العائلة، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً فعند ذهاب السعوديين وانتشارهم في الأرض طلباً للرزق ولقمة العيش كانت هناك دولة خليجية تستقبل الأفواج منهم تلو الأفواج وكان كبار السن هنا لا يحبونها بسبب أن أبناءهم يعودون وهم راعين تتن (أي يدخنون). لقد كان الخبر الذي لا يتمنى أحدهم سماعه هو إسرار أحدهم له بعد الصلاة: أبو فلان ترى فلان... كان الخبر كالصاعقة المنتظر حدوثها في كل وقت.. وكان المدخنون يشعرون بردة الفعل هذه ولا يدخنون إلا خفية وفي غير مرأى من أحد.

لكن هذا الوضع لم يستمر كثيراً ففي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الرابع عشر بلغ انتشار التدخين مداه وأصبح أمراً ظاهراً في جميع طبقات المجتمع بشتى أطيافها، ولازلت أذكر أيام الصغر حينما نذهب بصحبة الوالد اطال الله في عمره إلى زيارات الأقارب .

رويدا لم يعد المجتمع يتقبل التدخين بهذه الصورة فأصبح المدخن يمتنع عن التدخين سواء كان ضيفا أو مضيفا وإذا أراد التدخين ذهب إلى الخارج. ما الذي جعل أمور المدخنين تنقلب رأساً على عقب فمن حالة زهو إلى حالة انكماش على النفس والتستر عن العين. رغم أن الجميع يعرف أنهم مدخنون. أجزم بأن هذا أحد أهم مكتسبات التثقيف بخطورة التدخين ومن ضمنها التدخين السلبي. حينما أصبح المدخن في نظر الآخرين لا يمارس حرق أوراق صحته الخضراء بل يمارس بدون وجه حق حرق الأوراق الخضراء في صدور الآخرين.

إنه رغم نجاح المجتمع في الضغط على المدخنين وانكفائهم على ذواتهم إلا أن المؤسسات الحكومية فضلا عن مؤسسات القطاع الخاص كانت نتائجها مخيبة للغاية كم مؤسسة حكومية تطبق القرار السامي بمنع التدخين في المؤسسات الحكومية أظنها لا تتجاوز ثلاث مؤسسات من ضمنها بالطبع وزارة الصحة. نظرة إلى مطاراتنا ستصاب بالخجل من رائحة الدخان المميزة والبركة في موظفي المطار والخطوط السعودية دام ظلها لذا لا يمكن أن تخاطب مسافراً وتطلب منه وضع السيجارة وهو يرى الموظف الذي يفترض أنه أول من يراعي اشتراطات الأمن والسلامة يشجع المسافرين على نفض سجائرهم على أرضية المطار.. وقد تعجب أن احدى ادارات الخدمات الطبية لقطاع حكومي كبير تعتبر معقلاً من معاقل التدخين (رغم أنهم أطباء وصيادلة) وهذا ما جعل أحدهم يتندر بأن المستشفى التابع لهم إنما صمم لكي يعالج موظفي الخدمات الطبية من مضاعفات التدخين ثم بقية موظفي القطاع، ومما يؤسف له هو الوضع المزري لجامعاتنا وقارنه بأي جامعة في الخارج إذا أراد موظف أو طالب أو عضو هيئة تدريس أن يدخن فإنه يذهب خارج المبنى وأنا أذكر حينما كنت أدرس في أم الجامعات أن مدرسنا الأمريكي الجنسية يدخن في الممر المؤدي إلى القاعات أثناء فترة الاستراحة، وهو لن يجرؤ على فعل هذا في بلده ولكن ماجرأه عليه هنا هو ما يراه من خروقات واستهتار من الطبقة المثقفة ونخبة المجتمع التي تبكي صباح مساء على تخلف المجتمع. هذا المجتمع الذي نجح فيما لم تنجح فيه النخبة المثقفة التي تأتي بالشيشة إلى مكتبها في الجامعة. وآخر نعرف أنه للتو مر من هنا أو دخل القاعة من رائحة الغليون المتميزة بعفونتها.

أما القطاع الخاص فحدث ولا حرج فرائحة البنوك والشركات تتميز غالباً برائحة التبغ وحينما تقابل شخصاً وتشم تلك الرائحة فإنك على الفور لا يخيب ظنك أنه إما موظف قطاع خاص أو موظف في احد مطاراتنا العالمية في مبانيها وليس في أنظمتها.

* أستاذ علم الأدوية المساعد كلية الطب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية