متتبعاً مراحل إنتاج اللقاح المضاد لأنفلونزا الخنازير
عميد كلية الطب بالجامعة: اللقاح آمن و ستة أشهر هي مدة إنتاجه والتأكد من فاعليته

أ.د. خالد بن عبد الغفار آل عبد الرحمن
أضحى الحديث عن لقاح أنفلونزا الخنازير و ما قد يسببه من أمراض مختلفة هاجساً يؤرق الكثير من الناس، فالسرطان, والتهابات الجهاز العصبي والشلل النصفي وأمراض أخرى صارت محوراً لا يغيب عن أحاديث الناس عند حديثهم عن المرض وعلاجه، لتسليط الضوء على هذه الهواجس والرأي العلمي حيالها كان هذا اللقاء مع سعادة عميد كلية الطب بالجامعة أستاذ طب الأسرة والتعليم الطبي الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الغفار العبد الرحمن، الذي أكد في البداية أن عملية أنتاج وتجهيز اللقاح لا تأتي بين يوم وليلة بل تمتد ما بين خمسة إلى ستة أشهر وذلك بعد تحديد واستقرار السلالة الجديدة من فيروس الأنفلونزا القادرة على إحداث جائحة, وتلك الفترة ضرورية لان عملية إنتاج لقاح جديد تنطوي على خطوات متسلسلة عديدة يقتضى انجاز كل منها فترة زمنية معينة.
ويستعرض الدكتور خالد المراحل العلمية لاستحداث اللقاح من لحظة الحصول على العينة الفيروسية إلى مرحلة إنتاج اللقاح للاستعمال.
حيث تبدأ المهمة العلمية عند اكتشاف فيروس جديد حين تبادر المختبرات العلمية القائمة في مختلف أنحاء العالم بشكل روتينى بجمع عينات من فيروسات الأنفلونزا وإرسالها إلى المراكز المتعاونة مع منظمة الصحة العالمية للاستعانة بالمراجع والبحوث الخاصة بالأنفلونزا كي يتم تحليلها، حيث تبدأ أول خطوة بتحضير سلالة اللقاح(التي تسمى فيروس اللقاح) وفي هذه الخطوة يجب أولا تكييف الفيروس لاستعماله في صنع اللقاح وللحد من خطورة الفيروس وتحسين قدرته على النمو في بيض الدجاج(وهى طريقة الإنتاج التي يستعملها معظم صانعي اللقاحات)وفيها يتم مزج الفيروس بإحدى السلالات الفيروسية المعيارية التي تستخدم في المختبرات وزراعتهما معا, وبعد مضى فترة معينة يتشكل هجين يحتوى على العناصر الداخلية للسلالة المختبرية والعناصر الخارجية للسلالة الجائحة، ويستغرق تحضير الفيروس الهجين ثلاثة أسابيع تقريبا، ثم تأتي مرحلة التحقق من سلالة اللقاح، التي تكون بعد تحضير الفيروس الهجين للتحقق من قدرته الفعلية على إنتاج البروتينات الخارجية للسلالة الجائحة ومن أنه آمن، وبعد استكمال هذه العملية التي تستغرق ثلاثة أسابيع أخرى تقريبا, يتم توزيع سلالة اللقاح على صانعي اللقاحات.
المرحلة الرابعة تكون بإعداد الكواشف لاختبار اللقاح(مع الكواشف المرجعية): وذلك بأن تقوم المراكز المتعاونة مع المنظمة في الوقت ذاته بإنتاج مواد معيرة(كواشف) تعطى لجميع صانعي اللقاحات لتمكنهم من قياس ما ينتجونه من كميات الفيروس وضمان أنهم يقومون جميعا بإنتاج علب تحتوى على الجرعة الصحيحة من اللقاح.وتتطلب هذه العملية ثلاثة أشهر على الأقل.
وعن الأنشطة التي يضطلع بها صانعوا اللقاحات فيقول الدكتور خالد أنها تتمثل في توفير الظروف المثلى لنمو الفيروس، بحيث يأخذ صانع اللقاح الفيروس الهجين الذي تلقاه من المختبرات التابعة لمنظمة الصحة العالمية ويقوم باختباره في ظروف مختلفة وتحتاج هذه العملية ثلاث أسابيع تقريبا.
تكون المرحلة التالية بالعمل على صناعة اللقاح بكميات كبيرة حيث تتم هذه العملية في معظم حالات إنتاج لقاحات الأنفلونزا, في بيض الدجاج المخصب البالغ تسعة أيام إلى 12 يوم. ويتم حقن فيروس اللقاح في ألاف البيضات, ثم يتم تحضين تلك البيضات لفترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام لتمكين الفيروس من التكاثر , وبعد ذلك يتم تجميع بياض البيض الذي بات يحتوى على عدة ملايين من فيروسات اللقاح وفصله عن الفيروس .ثم يتم قتل هذا الفيروس الصافي جزئيا باستخدام مواد كيميائية. وبعدها يتم تصفية بروتينات الفيروس الخارجية مما يمكن من إنتاج مئات آلاف اللترات من بروتينات الفيروس الصافية التي يطلق عليها اسم المستضد , وهو العنصر الفاعل من أي لقاح , وجدير بالذكر أن إنتاج كل دفعة أو تشغيله من المستضد يستغرق أسبوعين تقريبا ويمكن بعد مضى بضعة أيام البدء في إنتاج دفعة جديدة, ويعتمد حجم الدفعة على عدد البيضات التي يمكن لمنتجي اللقاح لحصول عليها وتلقيحها وتحضينها. ومن العوامل المؤثرة الأخرى مرودية كل بيضة, ويتم عندما تنتج دفعة واحدة تكرار العملية قدر الإمكان للحصول على كمية اللقاح اللازمة.
ويستعرض الدكتور خالد المرحلة الثالثة التي تتمثل في مراقبة الجودة، التي لا يمكن الشروع فيها إلا بعد تلقى الكواشف اللازمة لاختبار اللقاح من المختبرات التابعة للمنظمة ,على النحو المبين أعلاه. ويتم اختبار كل دفعة والتحقق من تعقيم الكمية الإجمالية للمستضد. وتستغرق هذه العملية أسبوعين تقريبا .
أما العملية الرابعة فتكون بتعبئة اللقاح، حيث يتم تخفيف دفعة اللقاح للحصول على تركيز المستضد المرغوب فيه, ويتم وضعة في قنينات أو محاقن ووسمه. ثم يتم اختبار عدد من تلك القنينات والمحاقن للتأكد من: درجة التعقيم، تركيز البروتينات، المأمونة, وذلك باختبار اللقاح على الحيوانات وتستغرق هذه العملية أسبوعين.
فيما تشمل المرحلة الخامسة الدراسات السريرية، التي تكون مطلوبة في بعض البلدان حيث يتم اختبار كل لقاح جديد من لقاحات الأنفلونزا على عدد قليل من البشر لإظهار انه يفي بالغرض المنشود .وتتطلب هذه العملية أربعة أسابيع على الأقل. وقد لا يكون ذلك ضروريا في بعض البلدان الأخرى لان ثمة تجارب سريرية عديدة أجريت باستخدام تحضيرات لقاحية سنوية مماثلة ومن المفترض, بناء على ذلك يفترض إن يعطى اللقاح الجديد المضاد للجائحة نتائج مطابقة .
ترويج اللقاح من خلال الوكالات التنظيمية
وهنا يؤكد الدكتور خالد العبدالرحمن أن أنظمة البلدان عادةً ما تخضع أي لقاح جديد بما في ذلك لقاح أنفلونزا الخنازير للموافقة التنظيمية قبل التمكن من بيعة وتطعيم الناس به. ويمتلك كل بلد الوكالة التنظيمية والقواعد الخاصة به في هذا المجال. وإذا تم صنع اللقاح بانتهاج العمليات ذاتها التي تنتهج لصنع لقاح الأنفلونزا الموسمية وفى المصنع ذاته يمكن أن تتم تلك العملية بسرعة فائقة(يوما واحدا أو يومان). وقد تقتضى الوكالات التنظيمية في بعض البلدان إجراء اختبار سريري قبل الموافقة على اللقاح, مما يستوجب فترة زمنية إضافية قبل التمكن من إتاحة اللقاح، ويمكن انجاز العملية بأكملها في فترة زمنية تتراوح بين خمسة إلى ستة أشهر.ويمكن حينئذ إتاحة الدفعة الأولى من اللقاح النهائي لأغراض التوزيع والاستعمال.
دول العالم قادرة على إنتاج 3 مليارات لقاح سنوياً
ويؤكد الدكتور خالد العبدالرحمن أن لدى دول العالم القدرة على إنتاج اللقاحات المضادة للجائحة بمعدل ثلاثة مليارات جرعة في العام، ومع أن هذا الرقم اقل مما كان متوقعا فإن البيانات الأولية المستقاة من التجارب السريرية تشير إلى أن جرعة واحدة من اللقاح ستكون كافية لضمان المناعة اللازمة لدى البالغين والأطفال الأصحاء مما سيمكن من مضاعفة عدد الأشخاص الذين يمكن حمايتهم بالإمدادات الراهنة .
مضيفاً أن للقاحات المضادة للمرض أثراً كبيراً عندما تستخدم في إطار إستراتيجية وقائية, أي عندما تعطى قبل أن تبلغ معدلات الإصابة الذروة. لذا نجد أن السلطات التنظيمية وصانعوا اللقاحات حول العالم بذلوا جهودا جبارة من اجل التعجيل بإتاحة اللقاحات.
اللقاح آمن وهذه أعراضه الجانبية
ويطمئن الدكتور خالد أن السلطات الوطنية تبحث بدقة جميع المخاطر والمنافع المعروفة والمشتبه فيها و المرتبطة بكل لقاح قبل الترخيص به. وحيث أن الفيروس الجائح جديد فإن هناك تجارب سريرية وغير سريرية تجرى من اجل الحصول على معلومات أساسية بشأن الاستجابة المناعية والمأمونة. وتشير حصائل التجارب التي تم الخلوص إليها حتى الآن إلى أن اللقاحات المضادة للجائحة تضمن الدرجة نفسها من المأمونية التي تكفلها لقاحات الأنفلونزا الموسمية.
ومن المتوقع أن تكون الآثار الجانبية مطابقة لما يلاحظ عند إعطاء لقاحات الأنفلونزا الموسمية. ومن الآثار الجانبية الشائعة تفاعلات في موضع الحقن (الم وتورم واحمرار) ومجموعة من التفاعلات المحتملة(الحمى والصداع والألم العضلي أو المفصلي) وغالبا ما تكون هذه الأعراض معتدلة ومحدودة ذاتيا ولا تدوم أكثر من يوم أو يومين لدى جميع من يتلقون اللقاحات تقريبا.
وتوصى منظمة الصحة العالمية جميع البلدان التي تعطى اللقاحات بإجراء رصد مكثف في مجال المأمونية والإبلاغ عن الأحداث الضارة وتمتلك كثير من البلدان النظم اللازمة لرصد مأمونية اللقاحات.