المسؤولية الجنائية
عن الأخطاء الطبية


إعـــداد
د. إياد أحمد محمد إبراهيم
أستاذ مساعد بكلية التربية للبنات بالمزاحمية
جامعة الملك سعود
 


 
الملخص
يتناول هذا البحث مسألة تحتاجها الإنسانية جمعاء، فما من إنسان إلا وهو عرضة للأمراض والأدواء، ويحتاج إلى مَنْ يعالجه من الأطباء، إلا أن الأطباء بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الخطأ والنسيان، أو الإهمال والعدوان، فكان لزاماً أن تكون صحة الإنسان في أمان، فحفظها من مقاصد الأديان.
وقد وضّح البحث المقصود بالخطأ الطبي، وأنه يشمل الأخطاء الطبية سواء المتعمدة، أو الناتجة عن مخالفة الطبيب للأصول العلمية المعتبرة عند أهل المهنة، أو عن جهله بها سواء جهلا كليا أو جزئيا، أو خطأ من غير قصد، أو حصل الخطأ الطبي بعد أن اتخذ الطبيب كل الوسائل والاحتياطات وأدى المهنة كما ينبغي.
فجاء البحث متناولاً الموجبات التي يكون فيها الطبيب مسؤولاً عن عمله، ومتى لا يكون، والآثار التي تترتب على الطبيب في حالة ثبوت الموجبات.
ثم ختم البحث في بيان بعض التدابير الوقائية والعلاجية لمواجهة الأخطاء الطبية قبل وقوعها ورفعها بعد وقوعها، حفظا لحقوق الأطباء والمرضى على السواء.
 
 
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين، وبعد..
فبالرغم من التقدم العلمي، والتطور التقني في مجال الطب الحديث، وما استتبع ذلك من استخدام لكثير من التقنيات الحديثة والأجهزة المتطورة في التشخيص والعلاج؛ إلا أن الأخطاء الطبية لا زالت معدلاتها في ارتفاع ملحوظ، حتى في أكثر الدول تقدماً، حيث تمثل الأخطاء الطبية ثالث أكبر الأسباب التي تؤدي إلى الوفاة في الولايات المتحدة الأمريكية، سواء أكانت هذه الأخطاء الطبية تتمثل في العمليات الجراحية التي تجرى في غير أماكنها الصحيحة بأجسام المرضى، أم الوصفات الطبية الخاطئة، أم الأمراض المعدية وغيرها.
ونظراً لكثرة الأخطاء الطبية وما ينجم عنها من خسائر بشرية، وتكاليف مالية، فإن الحاجة داعية لتمحيص ما يعد من قبيل الخطأ الطبي الذي يتحمل الطبيب نتيجته ومسؤوليته عنه، وبين ما لا يعد من قبيل ذلك، فلا يسأل عنه الطبيب( ).
وقد جاء البحث في مقدمة وتمهيد وأربعة مباحث تشتمل على مطالب عدة كالآتي:
المبحث الأول: تعريف المسؤولية الجنائية والأخطاء الطبية وأدلة مشروعية المسؤولية الجنائية.
المطلب الأول: تعريف المسؤولية الجنائية.
المطلب الثاني: تعريف الأخطاء الطبية.
المطلب الثالث: أدلة مشروعية المسؤولية الجنائية.
المبحث الثاني: موجبات المسؤولية الجنائية.
المطلب الأول: الاعتداء العمد.
المطلب الثاني: مخالفة الأصول العلمية للمهنة (التقصير).
المطلب الثالث: الجهل بالأصول العلمية للمهنة.
المطلب الرابع: الخطأ.
المبحث الثالث: الآثار المترتبة على ثبوت الموجبات.
المطلب الأول: الآثار المترتبة على الاعتداء العمد.
المطلب الثاني: الآثار المترتبة على مخالفة الأصول العلمية للمهنة (التقصير).
المطلب الثالث: الآثار المترتبة على الجهل بالأصول العلمية للمهنة.
المطلب الرابع: الآثار المترتبة على الخطأ.
المبحث الرابع: التدابير الوقائية والعلاجية لمواجهة الأخطاء الطبية.
المطلب الأول: التدابير الوقائية لمواجهة الأخطاء الطبية.
المطلب الثاني: التدابير العلاجية لمواجهة الأخطاء الطبية.
ثم ختمت البحث بأهم النتائج التي توصلت إليها، فإن أصبت؛ فمن المنان الرحمن، وإن أخطأت؛ فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان.
 والله أسأل أن يجعل عملي هذا في ميزان حسناتي متقبلاً يوم لا ينفع مال ولا بنون.
 
تمهيد
إن قوة الأمة الإسلامية وصلاحها إنما يكون بقوة إيمانها وأبدانها، فقد أوجز النبي  ذلك بقوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»( )، وهذه الخيرية تكون بقوة الإيمان في القلوب، وسلامة الصحة في الأبدان.
ولما كان علم الطب هو الذي يتولى سلامة الأبدان كان له منزلة عظيمة في هذا الدين الشامل الكامل، حيث إن تعلمه فرض من فروض الكفايات، الذي يأثم فيه القادرون على تعلمه إن لم يوجد في الأمة من يكفي للقيام على الأبدان بالمداواة والمعالجة، وفي بيان منزلة الطب يقول العز بن عبد السلام: "فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام... والذي وضع الشرع هو الذي وضع الطب، فإن كل واحد منهما موضوع لجلب مصالح العباد ودرء مفاسدهم"( ).
فعمل الطبيب إذن عمل إنساني يقوم في الأصل على تقديم خدمة إنسانية جليلة هي العمل على تخليص الناس من الألم، وتأمين سلامتهم الجسدية والنفسية وإنقاذ حياتهم( ).
لكن لا يعني هذا أن الطبيب لا يسأل عما يؤدي إليه عمله من نتائج ضارة لكونه يقوم بواجبه، فالأطباء بشر من الناس، يجري عليهم ما يجري على غيرهم من الخطأ والنسيان، وقد تستهويهم الدنيا بزخارفها طمعاً في متعة من متع الدنيا العاجلة، فيتسببون في هلاك الأنفس أو إضرارها بقصد أو دون قصد، بتعمد وتعد أو خطأ أو إهمال أو تقصير، فإذا حصل منه ذلك فإنه قد تقوم عليه مسؤولية جنائية جراء ذلك، وقد تسقط عنه المسؤولية على حسب خطئه وطبيعته وسببه( ).
 
المبحث الأول
تعريف المسؤولية الجنائية والأخطاء الطبية وأدلة مشروعية المسؤولية الجنائية
المطلب الأول
تعريف المسؤولية الجنائية
المسؤولية لغة: من سأل، أي: طلب واستعطى واستدعى، واسم المفعول منه مَسُول كمخوف، والمسؤولية: ما يكون به الإنسان مسؤولاً ومطالباً عن أمور أو أفعال أتاها( )، ومنه قوله تعالى: ﮋﰆﰇ ﰈ ﰉﮊ( ). وفي الحديث: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»( ).
والجناية لغة: هي الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة( ).
أما المسؤولية اصطلاحاً: فإن الفقهاء القدماء لم يضعوا تعريفاً محدداً لها، لكنهم بحثوا مواضيع المسؤولية في أبواب الفقه المختلفة، وعلى رأسها: باب الإتلاف، وباب الجنايات، وباب الغصب، وباب الديات( ).
وقد عرفها بعض المعاصرين بأنها: "تَحَمّل الإنسان لنتائج أفعاله، ومحاسبته عليها"( ).
وتعرف أيضاً بأنها: "مطالبة الشخص بتبعات تصرفاته غير المشروعة، والتصرفات تكون غير مشروعة إذا كانت مخالفة لواجب شرعي أو قانوني، وتكون مخالفة لهما إذا ألحقت ضرراً بالغير بدون مبرر سواء أكان خطأً أم عمداً( ).
والجناية اصطلاحاً: "هي كل فعل عدوان على نفس أو مال"، لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان بما يوجب قصاصاً أو نحوه من دية أو أرش أو حكومة، حيث أدرج الفقهاء ذلك تحت باب الجنايات، وسمى الفقهاء الجناية على الأموال غصباً ونهباً وسرقة وإتلافاً( ).
ونستطيع تعريف المسؤولية الجنائية في الشريعة بأنها: "التبعة الشرعية التي يتحملها الإنسان نتيجة أفعاله المحرمة والضارة بالمجتمع، أو نتيجة ارتكابه ما يستوجب عقوبة شرعية؛ كحد، أو قصاص، أو تعزير»( ).
 
المطلب الثاني
تعريف الأخطاء الطبية
الخطأ لغة: ضد الصواب، والخطأ ما لم يتعمد، وأخطأ: سلك سبيلَ خطأٍ عامداً أو غيره، والخاطئ متعمده( ).
وعلى هذا فالخطأ في اللغة يراد به العمد وضده، وإن كان عند الإطلاق ينصرف إلى غير العامد( )، فإن لفظ الخطأ يرد بمعنى العمد، من خطئ الرجل: إذا تعمد الخطأ فهو خاطئ، وتارة بمعنى غير العمد، من أخطأ يخطئ إخطاء: إذا لم يتعمد الخطأ فهو مخطئ( ). ومن أمثلة وروده بمعنى العمد قول النبي  في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم»( ).
وفي الاصطلاح: "أن يفعل ما يجوز له فعله فيؤول إلى إتلاف حر مسلماً كان أو كافراً"( ).
ونتناول أخطاء الأطباء ومسؤوليتهم الجنائية عن ذلك بالمعنى الواسع للخطأ الذي يشمل العمد وضده، فيشمل الخطأ المبني على الجهل بالطب وأصوله، والتقصير في مهنته، ومخالفة الأصول العلمية المتبعة في المعالجة، كما يشمل الخطأ الناتج بعد استنفاد جميع الوسائل والطرق المتبعة في العلاج دون تعب أو تقصير.
هذا وتتشابه أخطاء الأطباء في كل زمان ومكان وإن تباينت أسماؤها؛ ذلك بسبب أنها تنصب على مكان واحد هو الجسم في أعضائه أو منافعه أو صفاته، فقد وردت في كتب الفقه الإسلامي نماذج من الأخطاء التي كانت تحصل في الأزمنة الماضية؛ مثل تجاوز الموضع المعتاد -كأن يعالج الطبيب عضواً لا يحتاج إلى علاج -وتركه ما يحتاج إلى علاج، أو علاجه موضع الألم مع تعديه إلى موضع آخر يفسده، وغير ذلك من الأخطاء والأمثلة التي سترد مبثوثة أثناء هذا البحث.
أما في العصر الحديث فتعددت الأخطاء الطبية وصورها؛ مثل ترك الطبيب أو نسيانه بعض العدد والآلات الجراحية داخل جسم المريض، والتسمم الناتج عن تلوث الجروح، وعدم الاهتمام بالتخدير وزيادته عن الحد أو نقصانه، وغير ذلك من الأخطاء في الوقت الحاضر؛ كسوء التشخيص أو الانفراد به دون مراجعة أو مشاورة من هو أعلم منه إن كان يحتاج لذلك( )، أو أن يكون غير مؤهل لمهنة الطب بأن يكون قد أخذ الشهادة بطريقة غير مشروعة، أو غير مرخص له بمزاولة المهنة، كما يدخل به ما يعرف بالخطأ العمدي وهو الإتيان بفعل مقترن بقصد الإضرار بالمريض( ).
إذن؛ لقد اتسعت العلوم الطبية وتطورت اليوم كما تعددت الوسائل والأدوات التي يستخدمها الطبيب في معالجة المريض، وهذا التوسع والتطور يقتضي مواكبته ووضع التشريعات اللازمة لمنع الوقوع في الخطأ الطبي ابتداء، ووضع الحلول اللازمة عند وقوعه، وذلك توخياً للدقة في تحديد مسؤولية الطبيب عن أفعاله، ومتى يكون مساءلاً ومتى لا يكون.
فالمسألة يتجاذبها طرفان: مريض نزل به ضرر من الطبيب -كما يدعي- أو ورثة يدعون ذلك، وبين طبيب يدعي القيام بما يتوجب عليه طبياً وشرعياً( ).
وبناء على ما مضى يمكن التعبير عن المسؤولية الجنائية للطبيب بأنها: «الالتزام القانوني القاضي بتحمل الطبيب الجزاء أو العقاب، نتيجة إتيانه فعلاً، أو امتناعه عن فعل يشكل خروجاً أو مخالفة للقواعد والأحكام التي قررتها التشريعات الجنائية أو الطبية»( ). وبعبارة مختصرة هي: «أثر جناية الطبيب من قصاص أو تعزيز أو ضمان»( ). وهذا الأثر يختلف من حين لآخر على حسب صورة الجناية من كونها عمداً أو خطأ.
 
 
المطلب الثالث
أدلة مشروعية المسؤولية الجنائية
دلت آيات القرآن الكريم على معاقبة المعتدين ومعاملتهم بالمثل؛ من ذلك قوله تعالى: ﮋ ﮇ              ﮈ      ﮉ      ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ  ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ  ( ).
وقوله تعالى: ﮋ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ  ﯛ ﯜ ﮊ  ( ).
وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على مسؤولية الطبيب بقوله : «مَنْ تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك؛ فهو ضامن»( ).
فقد دل الحديث على اعتبار المسؤولية الطبية، وأوجب الضمان على من يدعي الطب وهو جاهل به، ويشمل ذلك من كان جاهلاً بالكلية، وهو الشخص الذي لم يتعلــم الطب أصــلاً، والجاهـــــل بالجزئيـــــــة؛ وهـــــو الشخص الذي علم الطب وبرع في فرع من فروعه ولكنه يجهل الفرع الذي عالج فيه المريض( ).
وقوله  : «أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت فهو ضامن»( ).
وهذا الحديث يدل على تضمين الطبيب الجاهل الذي غر المريض وخدعه بدعوى معرفته بالطب، وإن كان نص الحديث يوجب الضمان على الطبيب الجاهل إلا أن الفقهاء اعتبروه أصلاً في تضمين الطبيب حين يرتكب موجباً من موجبات الضمان، كالعمد أو الخطأ أو الجهل( ).
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه أن عمر بن الخطاب t ضمن رجلاً كان يختن الصبيان فقطع من ذَكَر الصبي فضمنه( ).
وقد أجمع العلماء على أن الطبيب إذا أخطأ لزمته الدية؛ لأنه في معنى الجاني خطأ. وما روي عن الإمام مالك من أنه ليس عليه شيء إنما يحمل على ما إذا كان من أهل الطب ولم ينشأ الخطأ عن تساهل وتفريط، أما إذا لم يكن من أهل الطب فلا خلاف في أنه يضمن لأنه متعد( ).
وقال الخطابي: «لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية، وسقط القود عنه؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته»( ).
ومن القياس؛ فإن الطبيب الجاهل يضمن ما جنته يداه، حيث يقول ابن القيم: «وأما ما تلف بالسراية، فإن لم يكن من أهل العلم بصناعته، ولم يعرف بالحذق فيها؛ فإنه يضمنها؛ لأنها سراية جرح لم يجز الإقدام عليه، فهي كسراية الجناية مضمونة»( ).
 
 
المبحث الثاني
موجبات المسؤولية الجنائية
المراد بموجبات المسؤولية الجنائية: الأسباب التي تترتب عليها مساءلة الطبيب ومساعديه من جهة المهمات التي قاموا بها.
وهذه الموجبات منها ما هو ناشئ عن الإضرار وقصد الإيذاء، ومنها ما هو ناشئ على وجه الإهمال والتقصير وعدم الالتزام بالحدود التي ينبغي التزامها في مهنة الطب، ومنها ما هو ناشئ عن الجهل بالطب وفنونه، ومنها ما هو ناشئ على وجه الخطأ( ).
وعليه سنتناول هذه الموجبات على الترتيب الآتي:
1) الاعتداء العمد.
2) مخالفة الأصول العلمية للمهنة (التقصير).
3) الجهل بالأصول العلمية للمهنة.
4) الخطأ.
ومن ثم نتحدث عن الآثار المترتبة على حصولها.
 
 
المطلب الأول
الاعتداء العمــــد
وهو قيام الطبيب بفعل محظور إيجابي أو سلبي بقصد الوصول إلى نتيجة هي الإضرار بالمريض في أعضائه أو منافعها أو حتى وفاته وهلاكه. وله صور كثيرة منها:
1-أن يصف الطبيب دواء ساماً للمريض بقصد إهلاكه، والتخلص منه؛ لمصلحة تعود على الطبيب أو غيره، أو ثأراً من المريض لعداوة سابقة( ).
2-أن يعلم الطبيب أن الفعل الذي يقوم به يؤدي إلى القتل غالباً؛ كأن يجري الطبيب العملية الجراحية للمريض، ثم يتركه والدم يسيل من جرحه، من غير أن يعصبه أو يوقف نزف الدم، حتى يفضي إلى هلاكه أو تلف عضو من أعضائه، أو أن يقوم طبيب التخدير باختيار نوعية من المواد المخدرة التي لا تتفق مع المريض أو يزيد في جرعة التخدير مع علمه بالنتائج السلبية المترتبة على ذلك، وقصده لها( ).
3-أن يُقْدم الطبيب على إجراء عملية جراحية فيما فيه خطورة على المريض لإزالة ورم، أو عضو متآكل، أو غير ذلك، دون الحصول على إذن من المريض( ).
4-أن يترك الطبيب معالجة مريضه، وليس هناك من يقوم بعلاجه إلا هو، فيترتب عليه هلاك المريض أو تلف عضو من أعضائه أو ذهاب منفعته، فإنه في هذه الحالة يجب عليه علاجه وجوباً عينياً، ويعتبر تركه العلاج من باب قتل العمد( ).
فقد سئل ابن حجر الهيتمي ~ عما إذا حضر نساء ولادة ذكر فقطعت إحداهن سرته من غير ربط، ونهاها الباقيات فمات بعد القطع بقليل، فهل يقتلن مثلاً أو هي فقط؟ فأجاب: "إن كان القطع مع عدم الربط يقتل غالباً فهو عمد موجب للقود عليها، وهو ظاهر إن منعت الباقيات من الربط لو أردن فعله، أما إذا لم يردنه فهن آثمات أيضاً لأنه يلزمهن جميعاً، فإذا تركنه من غير منع كان لهن دخل في الجناية"( )، فجعل عدم قيامها بربط السرة ومنعها للأخريات من فعل ذلك موجبا للقصاص.
هذا وتتنوع صور الخطأ الطبي العمدي مثل قتل المرضى الميؤوس من شفائهم، وإجراء التجارب الطبية على المرضى بغير قصد العلاج، وممارسة عمليات التعقيم دون ضرورة طبية، وإجهاض الحوامل، ونقل الأمراض المعدية والمهلكة إليه عمداً كمرض نقص المناعة، وقتل الأشخاص بطرق ملتوية للحصول على تعويض من التأمين، وغير ذلك من الصور( ).
نرى في كثير من هذه الصور أن الأخطاء الطبية العمدية يستوي في ارتكابها الطبيب وغير الطبيب ولا تتعلق بصفة مهنة الطبيب، فهي عبارة عن أعمال غير مشروعة تخضع للأحكام الشرعية المتناولة لمسألة العمد في باب الجنايات حتى لو ارتكبها الطبيب أثناء مزاولته مهنة الطب( ).
فهذه الصور وأمثالها يتحقق بها موجب الاعتداء، وهي صور في الغالب يُجَلُّ عنها الأطباء ومساعدوهم الذين نذروا حياتهم لخدمة المرضى ورعايتهم، ولا يتخلق بها إلا أصحاب النفوس الدنيئة التي لا تخاف الله تعالى، ولا ترعى حدوده ومحارمه.
ويعتبر هذا الموجب من موجبات المسؤولية من أشنع الموجبات؛ نظراً لما يتضمنه من الاستهتار بحرمة الأجساد والأرواح( ).
 
 
المطلب الثاني
مخالفة الأصول العلمية للمهنة "التقصير"
لعلم الطب أصول علمية وضعها العلماء المختصون، وهي تحدد الطريق الذي ينبغي على الأطباء ومساعديهم سلوكه، والتقيد به أثناء قيامهم بمهماتهم، ولا يتسامح العلماء المختصون مع من يجهلها أو يتخطاها ممن ينتسب إلى مهنة الطب، وتشمل هذه الأصول العلمية العلوم الثابتة التي أقرها علماء الطب قديماً وحديثاً في فروع الطب ومجالاته المختلفة، وكذلك العلوم المستجدة التي يتم اكتشافها حديثاً على أن تكون هذه الاكتشافات الحديثة صادرة من جهة طبية علمية معتبرة، وأن يشهد الخبراء على كفاءتها وصلاحيتها للتطبيق( ).
وقد أوجب الفقهاء اعتماد الأصول العلمية المعتبرة عند الأطباء، ومراعاة أصول "أهل العلم بالصناعة"، وحذروا من مخالفتها، واعتبروا مخالفتها موجباً للضمان، حيث يقول الإمام الشافعي ~: «وإذا أمر الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه، أو يبيطر دابته فتلفوا من فعله، فإن كان فعلَ ما يفعلُ مثلُه مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بتلك الصناعة؛ فلا ضمان عليه، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح وكان عالماً به؛ فهو ضامن»( ).
فاعتبر قيام الحجام أو الختان أو البيطار وفي معناهم الطبيب بالفعل موافقاً لأهل العلم بتلك الصناعة ولم يقصر في ذلك مسقطاً للضمان، أما إذا خالف الأصول المعتبرة عند أهل الصناعة فإن الضمان مستقر.
وقد نقل صاحب عون المعبود عن العلقمي أن الطبيب إذا أخطأ وقد بذل الجهد الصناعي لا يكون ملوماً( )، لأنه لم يقصر في مراعاة الأصول العلمية المعتبرة عند الأطباء.
إذن يجب أن تكون أعمال الطبيب على وفق الرسم المعتاد، أي موافقاً للقواعد التي يتبعها أهل الصنعة في مهنة الطب، من العناية بالمريض والتبصر والتحوط في علاجه، لذا يسأل الطبيب عن كل تقصير في مسلكه الطبي كأن يهمل في عنايته بالمريض أو يقصر فيها أو يخرج عن الأصول العلمية المستقرة في علم الطب( )، ذلك لأن المريض إنما جاء للطبيب رجاء العافية، فإذا وقع من الطبيب ما يضر بالمريض، وكان هذا الذي وقع منه مما يمكن تلافيه؛ فهو مقصر وقد حقت عليه المساءلة( ).
ومن صور مخالفة الأصول العلمية والتي يعتبر المخالف فيها مقصراً مسؤولاً:
1-نسيان الطبيب لأدواته الجراحية، وقطع الشاش في تجويف بطن المريض، مسببة له التهابات ومضاعفات صحية.
2-خطأ الطبيب في تثبيت الجبيرة على رجل المريض، مما يؤدي إلى انحباس الدورة الدموية وتورم الموضع المصاب، وقد يؤدي إلى قطعه.
3-قطع العصب حين إجراء الطبيب عملية موضعية لورم أو تقرح مما يسبب شللاً لمكان الورم.
4-استخدام الطبيب أثناء إجراء العملية أدوات جراحية غير معقمة( )، أو نقله دماً ملوثاً للمريض دون التأكد من صلاحيته، وغيرها من الصور المشابهة.
5-الخطأ في التشخيص، إذ يتعين على الطبيب أن يشخص داء المريض بكل حكمة وتبصر على أساس من العلم والفن وأصول المهنة، وليس برعونة وطيش، ومن منطق الفراغ وعدم التسلح بالمعلومات الضرورية المعتبرة التي تساعده على تكوين رأيه، وأن يكون متابعاً للتطورات الطبية الحديثة، فقد وضع العلم الحديث في متناول أيديهم أجهزة كثيرة متطورة تحتم عليهم استخدامها في تشخيص المرض والعلاج على نحو مثالي( ).
 
 
المطلب الثالث
الجهل بالأصول العلمية للمهنة
الطبيب الجاهل: هو الذي يعطي الأدوية المهلكة للناس ويسقيهم وعنده أنها شفاء، والذي لا يستطيع دفع الضرر عند ظهور المرض والتهلكة( ).
وقد أفتى الفقهاء بالحجر على الطبيب الجاهل، فقد روي عن أبي حنيفة ~ أنه كان لا يُجري الحجر إلا على ثلاثة: المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس. لأن المفتي الماجن يفسد أديان المسلمين، والطبيب الجاهل يفسد أبدان المسلمين، والمكاري المفلس يفسد أموال الناس في المفازة( ).
والمقصود من الحجر على الطبيب الجاهل أنه لا يُمكَّن من مزاولة صنعته( )؛ وذلك تطبيقاً للقاعدة الفقهية: «يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»( ).
ويسمي الفقهاء الطبيب الجاهل بالمتطبب؛ وهو من ليس له خبرة بالعلاج وليس له شيخ معروف، والطبيب الحاذق هو من له شيخ معروف وثق من نفسه بجودة الصنعة وإحكام المعرفة، والذي اتفق أهل فنه على إحاطته به بحيث يكون خطؤه فيه نادرا جدا( ).
وقال ابن عقيل: «جُهَّال الأطباء هم الوباء في العالم، وتسليم المرضى إلى الطبيعة أحب إلي من تسليمهم إلى جهال الطب»( ).
وقد ذكر ابن القيم ~ عشرين أمراً على الطبيب أن يراعيها في علاجه حتى يكون حاذقاً، من أهمها:
1-النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو؟ وأن ينظر في سببه من أي شيء حدث؟.
2- قوة المريض، وهل هي مقامة للمرض أو أضعف منه؟ فإن كانت مقاومة للمرض تركها والمرض، ولم يحرك بالدواء ساكناً.
3-سن المريض وعادته وبلده والوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به.
4-النظر في الدواء المضاد لتلك العلة، وقوته ودرجته والموازنة بينه وبين قوة المريض.
5-ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط، بل إزالتها على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها، ويعالج بالأسهل فالأسهل.
6-أن ينظر في العلة هل يمكن علاجها أو لا؟ فإن لم يمكن علاجها حفظ صناعته وحرمته، ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئاً.
7-أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وإلا كان نصف طبيب، فكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، بل متطبب قاصر.
8-التلطف بالمريض والرفق به( ).
والأصل في اعتبار جهل الطبيب موجباً للضمان قول النبي : «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك؛ فهو ضامن»( ).
فقوله : «من تطبب» ولم يقل: من طب، لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة، وأنه ليس من أهله، كتكلف وتشجع وتحلَّم وتصبر ونظائرها( ).
ويمكن فهم المراد من الحديث على معنيين:
1-الجهل المطلق بأن يكون المتطبب لا يعرف من علم الطب ما يمكن وصفه بالمعرفة به في عرف الزمان والمكان الذي تطبب فيه، كمن يمارس الطب وهو لا يحمل شهادة جامعية أو رخصة مزاولة المهنة.
2-متطبب يعرف الطب ولكنه غير ماهر في معرفته، ولعدم المهارة صنفان:
الأول: غير ماهر في تخصصه، كأن يكون طبيباً في الجراحة مثلاً ولكنه غير ماهر فيها بسبب ضعف علمه أو قلة خبرته.
الثاني: ماهر في تخصصه غير ماهر في تخصص آخر، كطبيب أسنان يمارس جراحة العظام مثلاً، فهذا طبيب جاهل في التخصص الذي لا علم له فيه( ).
ولا خلاف بين الفقهاء على اعتبار الجهل موجباً من موجبات مسؤولية الطبيب، حيث يقول ابن رشد: "ولا خلاف أنه إذا لم يكن من أهل الطب أنه يضمن لأنه متعد"( ).
 
المطلب الرابع
الخطأ
المقصود بالخطأ هنا: "ما لم يقصد الطبيب نتيجته رغم اجتهاده لتلافي حدوثها"( )، فانتفاء قصد الضرر من فاعله موجب لوصفه بكونه مخطئاً، ومن أمثلته أن تزل يد الطبيب الجراح، أو أخصائي التخدير، أو المصور بالأشعة والمناظير، وينشأ عن ذلك ضرر بجسم المريض( ).
والأصل في الشريعة الإسلامية أن المسؤولية الجنائية لا تكون إلا عن فعل عمد حرمه الشارع، ولا تكون عن خطأ لقوله تعالى: ﮋ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﮊ  ( ).
ولكن الشريعة أجازت العقاب على الخطأ استثناء من الأصل؛ مراعاة للمصلحة العامة مع عدم مسؤولية المكلف أمام الله تعالى عن خطئه، ولكنه يسأل في حقوق العباد كي لا تذهب أرواحهم وأموالهم هدراً، وبهذا يشترك العمد والخطأ في كونهما سببين للضمان( ).
وفي هذا يقول ابن القيم: «فالخطأ والعمد اشتركا في الإتلاف الذي هو علة الضمان، وإن افترقا في علة الإثم، وربط الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام بأسبابها، وهو مقتضى العدل الذي لا تتم المصلحة إلا به. وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها، فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض وادعى الخطأ وعدم القصد»( ).
وقد ذكرنا سابقاً نقل ابن رشد الإجماع على أن الطبيب إذا أخطأ لزمته الدية؛ لأنه في معنى الجاني خطأ، وما روي عن الإمام مالك من أنه ليس عليه شي؛ إنما يحمل على ما إذا كان من أهل الطب ولم ينشأ الخطأ عن تساهل وتفريط( ).
هذا، والمعيار الذي يقاس عليه سلوك الطبيب في تقدير الخطأ الطبي واعتباره هو سلوك الطبيب الوسط من اختصاصه ومستواه، والذي يوجد في الظروف نفسها التي أحاطت بالطبيب محل المساءلة عند أدائه للعمل. والطبيب الوسط لا يجوز أن يخرج في عمله عن الأصول التي استقرت عليها المهنة الطبية فحسب، بل يجب عليه أيضاً ألا يهمل في بذل العناية اللازمة للمريض، وأخذ الحيطة والحذر في عمله.
فإذا أهمل الطبيب في عنايته بالمريض أو قصر فيها، أو لم يصطنع جانب الحيطة والحذر في عمله أو خرج عن الأصول الفنية المستقرة جهلاً أو إهمالاً أو تفريطاً فإنه يكون مخطئاً( ).
 
المبحث الثالث
الآثار المترتبة على ثبوت الموجبات
المطلب الأول
الآثار المترتبة على الاعتداء العمد
ذكرنا في المبحث السابق بعض الصور التي تعتبر من قبيل الاعتداء العمد على المرضى، وهذه الاعتداءات توجب القصاص في النفس أو الأطراف على ما هو مقرر عند الفقهاء، وسواء أكان ذلك الاعتداء فعلاً إيجابياً أم سلبياً، فإذا أثبت أن الطبيب كان قاصداً قتل المريض أو إتلاف شيء من جسده، فإنه يقتص منه سواء كان الضرر موجباً لإتلاف النفس أو الأطراف، وتحققت الشروط المعتبرة للقصاص( ).
ونورد أقوال الفقهاء في ثبوت القصاص في هذه الحالة.
قال صاحب الدر المختار الحنفي: "سئل صاحب المحيط عن من فصد نائماً وتركه حتى مات من السيلان، قال: يجب القصاص"( ).
فقوله: يجب القصاص، دليل على أن فعله من قبيل القتل العمد.
وجاء في الفتاوى الهندية أن الخاتن إذا قطع الحشفة عليه القصاص، ولو قطع بعض الحشفة لا قصاص عليه( ).
فقد فرق بين القطع اليسير والفاحش فاعتبر اليسير قائماً على الخطأ، أما الفاحش بأن يقطع الحشفة فهذه قرينة على تعمد الإيذاء، فاستحق القصاص.
وقال محقق مذهب المالكية الشيخ محمد عليش: «إن تعمد الطبيب والخاتن والمعلم قتلاً أو قطعاً أو جرحاً بغير حق ولا شبهة فعليه القود»( ).
والطبيب الذي يباشر القصاص من الجاني( ) إذا زاد على المساحة المطلوبة عمداً فيقتص منه بقدر ما زاده من المساحة( ).
وقال الإمام مالك: "الأمر المجتمع عليه عندنا أن الطبيب إذا ختن فقطع الحشفة أن عليه العقل، وأن ذلك من الخطأ الذي تحمله العاقلة، وأن كل ما أخطأ به الطبيب أو تعدى إذا لم يتعمد ذلك ففيه العقل" فإن تعمد فالقصاص( ).
ويقول الشربيني من الشافعية: "ومن ختنه من ولي أو غيره في سن لا يحتمله -لضعف ونحوه أو شدة حر أو برد- فمات؛ لزمه قصاص إن علم أنه لا يحتمله لتعديه بالجرح المهلك، لأنه غير جائز في هذه الحالة قطعاً، فإن ظن احتماله كأن قال له أهل الخبرة يحتمله فمات فلا قصاص ويجب دية شبه عمد"( ).
فَعِلْم الطبيب أن الوليد لا يحتمل الختان أو العملية وإقدامه على ذلك، دليل على سوء قصده وفساد نيته، فيعاقب بالقصاص.
ويقول النووي: "ولو قطع السِّلْعة( ) أو العضو المتآكل من المستقل -بأمر نفسه- قاطع بغير إذنه فمات؛ لزمه القصاص سواء فيه الإمام وغيره لأنه متعد»( ). فقد ربط القصاص بالتعدي، وسواء في ذلك الإمام وغيره كالطبيب الذي أجرى عملية القطع دون إذن المريض.
ويشترط ابن حزم في حالة عدم إذن المريض حتى يسقط القصاص عن الطبيب عدة شروط ذكرها في مسألة من قطع يداً فيها أكلة أو قلع ضرساً وجعة أو متآكلة دون إذن صاحبها، فقال: "فإن قامت بينة أو علم الحاكم أن تلك اليد لا يرجى لها برء، ولا توقف، وأنها مهلكة ولا بد، ولا دواء لها إلا القطع؛ فلا شيء على القاطع وقد أحسن لأنه دواء، وقد أمر رسول الله -- بالمداواة، وهذا القول في الضرس إذا كان شديد الألم قاطعاً به عن صلاته ومصالح أموره، فهذا تعاون على البر والتقوى... أما إذا كان يرجى للأكلة برء، أو توقف، وكان الضرس تتوقف أحياناً، ولا يقطع شغله عن صلاته ومصالح أموره؛ فعلى القاطع والقالع القود لأنه حينئذ متعد"( ).
وذكر الحنابلة أن خائط الجرح إذا خاطه بغير إذن المجروح أو تعمد الخياطة في اللحم الحي أو المداواة بالسم؛ فإن فعله يعتبر قتلاً عمداً عدواناً موجب للقود( ).
وهذا كله في الجرائم الإيجابية، أما الجرائم السلبية وهي امتناع الطبيب عن القيام بواجبه عند تعذر قيام غيره به، فقد ذكرنا فتوى ابن حجر الهيتمي في المرأة التي قطعت سرة وليد ورفضت ربطها ومنعت الحاضرات من فعل ذلك، حتى مات أن عليها القود.
ومما ينبغي الإشارة إليه أن الطبيب في حال جنايته على جنين في بطن أمه فإن عليه الغرة في ماله ولا يجب القصاص؛ لأن حياة الجنين ليست حياة كاملة تامة، يقول الحطاب المالكي: "الطبيب إذا سقاها وكانت الأدوية مما يعلم أنه يسقط به الجنين فعليه الغرة، وإن كان مما يعلم أنه لا يسقط به فلا غرة عليه"( ).
وبتعمد الطبيب للقتل والقطع للعضو بقصد الضرر خرج عن كونه طبيباً إلى كونه ظالماً معتدياً، وأصبح وصفه طبيباً لا تأثير له لخروجه بتلك الجناية عن حدود الطب مع قصدها.
وهذا الأثر من وجوب القصاص عند الاعتداء العمد قلَّ أن يوجد عند الأطباء لما عرف عنهم من الحرص على نفع مرضاهم( ).
 
المطلب الثاني
الآثار المترتبة على مخالفة الأصول العلمية للمهنة "التقصير"
بينا في المبحث السابق أن الطبيب ملزم بمراعاة الأصول العلمية لمهنته وألا يهمل أو يقصر في مراعاتها، فإن خالف هذه الأصول كان ضامناً، وقد اتفقت كلمة الفقهاء على تضمين الطبيب عند الإهمال أو التقصير.
فقد سئل الحلواني من الحنفية "عن صبية سقطت من السطح فانفتح رأسها، فقال كثير من الجراحين: إن شققتم رأسها تموت، وقال واحد منهم: إن لم تشقوه اليوم تموت، وأنا أشقه وأبرئها، فشقه ثم ماتت بعد يوم أو يومين: هل يضمن؟ فتأمل ملياً ثم قال: لا يضمن إن كان الشق بإذن وكان معتاداً ولم يكن فاحشاً خارج الرسم"( ).
فإن لم يكن معتاداً عند الأطباء وكان مخالفاً للمعتبر عندهم فإنه يضمن.
وعند المالكية أن الطبيب أو الحجام أو الختان إن قصروا في المعالجة ومات المريض من فعلهم فإن عليهم الضمان ويكون على عاقلتهم وهم العصبة وهو واحد منهم، إلا فيما دون الثلث فيكون في مالهم( ).
ونقل القرافي في الذخيرة عن محمد بن حارث أن الطبيب إذا أراد فعل ما يجوز فعله فجاوزه أو قصر عن الجائز فترتب عليه هلاك ضمن، وما خرج عن هذا الأصل فهو مردود إليه( ).
وقال الإمام الشافعي في الحجام والختان والبيطار -وفي معناهم الطبيب -: «إن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح وكان عالماً به فهو ضامن»( ).
فرتب الإمام الشافعي الضمان على مخالفة أصول المهنة وذلك بفعل ما لا يفعل مثله من أهل العلم والخبرة والطب، وتجب الدية على عاقلة الطبيب( ).
ويقول ابن قدامة من الحنابلة: "فأما إن كان حاذقاً وجنت يده مثل أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع السلعة من إنسان فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالّة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا ضمن فيه كله لأنه إتلاف، لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ»( ).
نجد أن الطبيب أو الختان خالف الأصول العلمية للمهنة وتجاوز ما لا ينبغي تجاوزه في عرف أهل الصنعة من الأطباء( ) فقطع في غير محل القطع أو استعمل أدوات غير صالحة للاستعمال لقدمها أو عدم دقتها علمياً أو ملوثة غير معقمة، أو في زمان أو مكان لا يصلحان للعمليات الجراحية؛ فإنه يُعتبر ضامناً في ذلك كله.
وذكر ابن القيم: «إن كان الخاتن عارفاً بالصناعة وختن المولود في الزمن الذي يختن في مثله وأعطى الصناعة حقها لم يضمن سراية الجرح اتفاقاً، كما لو مرض المختون من ذلك ومات»( ).
فقد ربط ابن القيم عدم الضمان بعدة أمور منها: إعطاء الصناعة حقها وموافقة أصول المهنة، مما يدل بالمفهوم المخالف أن اختلال هذا الشرط موجب للضمان.
 
 
المطلب الثالث
الآثار المترتبة على الجهل بالأصول العلمية للمهنة
بينا أن الجهل في هذا المقام يشمل الجهل الكلي والجزئي وأن الفقهاء قرروا الحجر على الطبيب الجاهل لما يسببه من مخاطر عظيمة على صحة العباد وسلامتهم، واعتبروا الجهل موجباً من موجبات المسؤولية، والأصل في تضمينهم قول النبي  : «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن»( ).
وقد أجمع الفقهاء على تضمين الطبيب الجاهل لأنه إذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، وهذا إجماع من أهل العلم( ).
فقد قرر الحنفية أن الحجام إذا قطع لحماً من عين مريض وكان غير حاذق فعميت فعليه نصف الدية( )، والمقصود بغير الحاذق الجاهل.
وقرر المواق من المالكية أن الطبيب إن كان ممن لا يُحسن، وغرّ من نفسه، فإنه يعاقب بالضرب والسجن، واختلف على من تكون الدية، فقال ابن القاسم على العاقلة، وظاهر قول مالك أنها عليه وهو الراجح؛ لأن فعله عمد، والعاقلة لا تحمل عمداً( )، فالطبيب الجاهل مع ضمانه لفعله فإنه يعاقب تعزيراً؛ لأنه يعرض أنفس الناس وأرواحهم للخطر، وعليه في خاصة نفسه عتق رقبة إن كان واجداً وإلا فصيام شهرين متتابعين( ).
وعند الشافعية أن من تطبب بغير علم أو كان غير ماهر فإن عليه الضمان وتكون الدية على عاقلته( ).
وقرر الحنابلة أن الطبيب إذا لم يكن من أهل العلم بصناعته ولم يعرف بالحذق فيها، فإنه ضامن؛ لأنه لا يحل له مباشرة العملية أو الجرح والقطع، فإذا فعل فإنه ضامن للحديث( ).
وقد جعل ابن القيم من أقسام الأطباء: متطبب جاهل باشرت يده من يطبه، فتلف به، فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له، وأذن له في طبه، لم يضمن( ). ولا يخالف هذه الصورة ظاهر الحديث، فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غرَّ بالعليل، وأوهمه أنه طبيب، وليس كذلك. وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته؛ ضمن الطبيب ما جنت يده( ).
ومما يجدر التنبيه إليه أن جهال الأطباء وإن كان في فعلهم نوع اعتداء لإقدامهم على فعل غير مأذون به شرعاً؛ إلا أنه لا يجب عليهم القصاص لتخلف قصد الاعتداء فيهم، بل إنهم في الغالب إنما يقصدون الإحسان ويتمنون زوال الآلام، لما في ذلك من ربح لهم بأخذ الأجرة المستحقة، فكانت هذه شبهة موجبة لدرء القصاص عنهم( ).
وفي ذلك يقول الدسوقي: "إنما لم يقتص من الجاهل؛ لأن الفرض أنه لم يقصد ضرراً، وإنما قصد نفع العليل، أو رجا ذلك، وأما لو قصد ضرره فإنه يقتص منه، والأصل عدم العداء إن ادعى عليه ذلك"( ).
 
 
المطلب الرابع
الآثار المترتبة على الخطأ
قلنا إن الخطأ في هذه الصورة يحصل بفعل غير مقصود من قبل الطبيب كأن تتحرك يد الطبيب الجراح مثلاً بلا شعور منه فيقطع شرياناً أو يجرح موضعاً فيتضرر المريض بذلك.
ونقل ابن المنذر الإجماع على أن الخاتن إذا أخطأ فقطع الذكر أو الحشفة أو بعضها فعليه ما أخطأ به، يعقله عنه العاقلة( ).
فقد ذكر الحنفية أن: "الكحال إذا صب الدواء في عين رجل فذهب ضوؤها لا يضمن كالختان، إلا إذا غلط"( ). فدل على أن خطأ الكحال وهو يعتبر كطبيب العيون موجب للضمان.
وإن ختن الختان صبياً بأمر والده فجَرَت الحديدة فقطعت الحشفة فمات الصبي، فعلى عاقلة الختّان نصف الدية؛ لأن التلف حصل بفعلين: قطع الجلدة، وقطع الحشفة، وأحدهما مأذون فيه والآخر غير مأذون فيه فنصف الضمان، أما إن برئ الصبي وعاش فعلى عاقلة الختان الدية كاملة؛ لأن قطع الجلدة مأذون فيه فجُعل كأنه لم يكن، وقطع الحشفة غير مأذون فيه فوجب ضمان الحشفة كاملاً وهو الدية( ).
دل قوله: "فجرت الحديدة فقطعت" أن الختان زلت يده خطأ وليس بتقصير في مهنته فقطع ما لا يبنغي قطعه فكان ضامناً، والضمان على العاقلة.
وعند المالكية إذا سقى الطبيب المريض ما لا يوافق مرضه أو تزل يد الخاتن أو القاطع فيتجاوز في القطع بغير اختياره، أو الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يد الحجام فيقلع غير الضرس التي أمر بها، فإن كان من أهل المعرفة ولم يغر من نفسه فذلك خطأ يكون على العاقلة إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون في ماله( ).
وقال الإمام مالك: «كل ما أخطأ به الطبيب أو تعدى إذا لم يتعمد ذلك ففيه العقل»( ).
ويقول المواق: «من مات من سقي طبيب أو ختن الحجام، أو تقليعه ضرساً لم يضمنه إن لم يخطئ في فعلهما»( ).
وذكر الشافعية أنه إذا أخطأ الطبيب أو الحجام أو الفصاد في المعالجة وحصل منه التلف فإنهم ضامنون وتجب الدية على عاقلتهم( ).
وقال البجيرمي: «كل طبيب ماهر -بشهادة أهل صنعته له بذلك-فَعَل فعلاً في مريض فهلك؛ إن كان بدواء الطبيب نفسه فالضمان على عاقلته»( ).
دل قوله: «فعل فعلاً في مريض فهلك» أن الهلاك تولد من فعل الطبيب خطأ، بأن سقاه دواء لا يصلح له، أو عمل له عملية جراحية فأخطأ فيها فتولد عنها الهلاك فإنه ضامن.
وذكر الحنابلة أن الطبيب إذا أذن له وكان حاذقاً لكن جنت يده ولو خطأ كأن يقطع في مكان فتجاوز محل القطع فإنه ضامن( ).
وبيّن ابن القيم أن الطبيب الحاذق إذا أذن له وأعطى الصنعة حقها، لكن يده أخطأت وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه فإنه يضمن، لأنها جناية خطأ، فإن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته( ).
نخلص من هذا المبحث أن انتفاء مسؤولية الطبيب عن أفعاله تكون إذا توافرت فيه الشروط التالية:
1-أن يكون الطبيب مؤهلاً علمياً للقيام بأعماله، وهو ما أطلق عليه الفقهاء لقب "الطبيب الحاذق".
2-أن يؤدي الطبيب عمله موافقاً للأصول العلمية المعتبرة عند الأطباء دون تعد أو تقصير أو خروج عن القدر المعتاد.
3-أن يحصل الطبيب على الإذن والموافقة على ممارسة العمل الطبي من المريض، ونستطيع أن نضيف في هذا العصر حصوله على ترخيص مزاولة المهنة من الدولة( ).
وقد أجاد ابن القيم في جمع ذلك كله بقوله في أقسام الأطباء: "طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها، ولم تجن يده؛ فتولد من فعله -المأذون من جهة الشارع ومن جهة من يطبه- تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقاً، فإنها سراية مأذون فيه، وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت، وسنه قابل للختان، وأعطى الصناعة حقها، فتلف العضو أو الصبي لم يضمن، وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن، وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها"( ).
فقد وضع قاعدة عامة منضبطة بقوله: "وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها" فلا ضمان اتفاقاً.
وإنما لم يجب الضمان في هذه الحالة وأمثالها لأن الحاجة ماسة إلى عمل الطبيب، وهذا يقتضي تشجيعه وإباحة العمل له ورفع المسؤولية عنه، فإذا قلنا بضمانه لكل ضرر ينال جسم المريض فإن هذا يؤدي إلى ضرر اجتماعي يصيب الأمة بمجموعها، إذ هو أمر لا يمكن التحرز عنه مهما أوتي الطبيب من حذق لمهمته، لأن في يده جسماً حياً تسيره قدرة الله تعالى العلي الخبير لا بقدرة أحد من العباد، فلو كان التضمين قاعدة عامة لامتنع الأطباء عن العلاج ليقوا أنفسهم ذلك الضرر المالي الذي يتعرضون له بشكل مستمر، وفي ذلك إهمال لفرض كفائي وهو التطبيب( ).
وقد أصّل الإمام الشاطبي الأصولي ذلك بقوله: "أن الله -عز وجل- جعل المسببات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة أو الاعوجاج، فإذا كان السبب تاماً، والتسبب على ما ينبغي كان المسبَّب كذلك، وبالضد، ومن ههنا  إذا وقع خلل في المسبَّب نظر الفقهاء إلى التسبب هل كان على تمامه أم لا؟ فإن كان على تمامه لم يقع على المتسبب لوم، وإن لم يكن على تمامه رجع اللوم والمؤاخذة عليه، ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجام والطباخ وغيرهم من الصناع إذا ثبت التفريط من أحدهم؛ إما بكونه غرّ من نفسه وليس بصانع، وإما بتفريط، بخلاف ما إذا لم يفرط فإنه لا ضمان عليه؛ لأن الغلط في المسبَّبات أو وقوعها على غير وزان التسبب قليل فلا يؤاخذ، بخلاف ما إذا لم يبذل الجهد فإن الغلط فيها كثير فلا بد من المؤاخذة"( ).
إن الطبيب إذا كثر خطؤه وسهوه ونسيانه ووقع ضرر على المرضى أنه قد يُعزر ولو بالحجر عليه ومنعه من مزاولة الطب كما هو مشاهد في واقعنا المعاصر.
 
 
المبحث الرابع
التدابير الوقائية والعلاجية لمواجهة الأخطاء الطبية
إن من المصلحة العامة إعطاء الحماية للطبيب في ممارسة مهنته، حتى يستطيع أن يمارسها بصورة أفضل وفي أجواء مطمئنة؛ لأن الطبيب لا يمكنه أن يمارس مهنته باطمئنان وبتجويد وهو يعلم بأن مهنته تعرضه للمسؤولية والمحاسبة خاصة المالية منها.
عليه؛ فمن الواجب مراعاة خصوصية مهنة الطب وتشجيع ممارسيها ومنحهم الحماية اللازمة، وفي الوقت نفسه حماية المريض أو ورثة المتوفى في حال ثبوت الخطأ الطبي عن جهل أو إهمال أو تقصير أو تعدٍ في مطالبتهم بالتعويض الشرعي المسمى بالضمان أو الدية أو الأرش، على أن يتم ذلك بواسطة لجنة طبية حكومية تابعة لوزارة الصحة مثلاً وذلك لضمان استقلاليتها ومِهْنِيَّتِها( )، ولبيان التدابير الوقائية والعلاجية، أجعل ذلك في مطلبين:
 
 
المطلب الأول
التدابير الوقائية لمواجهة الأخطاء الطبية
1-الحصول على شهادة علمية من جامعة معترف بها في علم الطب، أو شهادة اختصاص في فرع من فروعه.
2-أخذ الإذن من الجهات الرسمية بمزاولة المهنة بعد إجراء الاختبارات اللازمة لبيان كفاءته وحذقه، ولا يسمح لغير المختص أن يطبب خارج اختصاصه، فإن فعل ذلك يعرض نفسه لسحب الترخيص منه، مثل قيام طبيب الأسنان بالتعدي على اختصاصي الجراحة العامة بأن يختن في عيادته الأطفال( ).
3-توفير الدولة والمؤسسات الخاصة للأجهزة الطبية الحديثة ومواكبة التطورات العلمية بعقد الدورات التدريبية والتعليمية للمستجدات الطبية ليعمل بها الأطباء ويجاروا العصر وتطوره ولا يكونوا مقصرين في مزاولة مهنتهم.
4-ربط الأطباء بخالقهم -سبحانه وتعالى- ورقابتهم له كي يقوموا بأعمالهم كما يحب الله ويرضى، فلا يهملوا في علاج مريض أو يقصروا فيه.
5-تدريس مقرر شرعي يُُعنى بالقضايا الطبية المعاصرة وأخلاقيات مهنة الطب وأحكامها الشرعية، كي يتخرج الطالب وعنده الخلفية العلمية والشرعية في مواجهة المسائل الطبية عامة والأخطاء الطبية خاصة، وعنده العلم بأمراض القلوب وأمراض الأبدان، فإن الطبيب الذي يقتصر في طبه على علاج الأبدان دون علاج القلوب والأرواح طبيب قاصر كما ذكر ابن القيم.
 
المطلب الثاني
التدابير العلاجية لمواجهة الأخطاء الطبية
ذكرنا أن موجبات الأخطاء الطبية هي الاعتداء والتقصير والجهل والخطأ، ولكل موجب أثره من حيث القصاص أو الضمان، فإذا وقع الخطأ الطبي ولم نستطع توقيه فكيف نعالجه؟
الأصل: أن الخطأ الطبي إذا وقع عن تعمد أو جهل من الطبيب فإن الطبيب هو الضامن الوحيد لخطئه، فإذا عفا المريض أو وورثته عن القصاص في حال التعمد والاعتداء وطالبوا بالدية، أو كان الخطأ ناتجاً عن جهل المريض فإن العاقلة لا تتحمل ضمان خطئه قلّ أو كثر، فالعاقلة لا تتحمل العمد اتفاقاً، كما أنها لا تتحمل خطأ الطبيب الجاهل كما وجدناه عند الإمام مالك وهذا رأي وجيه؛ لأنه هجم بفعله على إتلاف الأنفس.
أما ما قرره عامة الفقهاء في تحمل العاقلة لجناية الطبيب الناتجة عن تقصير وخطأ، فهل هذا ممكن تطبيقه في هذا العصر؟
بينا أن عاقلة الجاني هم عصباته من عشيرته، أي الذين يتصلون به نسباً بمحض الذكورة، فلا يدخل فيها الإخوة لأم ولا الزوج، ولا ذوو الأرحام، ويدخل هو في جملتهم فيحمل من الدية كأحدهم، ولا يكلَّف فيها النساء ولا الفقراء ولا الصبيان ولا المجانين شيئاً.
وتحميل الدية على العاقلة هي استثناء من القاعدة الشرعية "ألا تزر وازرة وزر أخرى"( )، لصيانة الحقوق ومعاونة المخطئ في العبء المالي الذي يلزمه فالدية ليست عقوبة محضة بل فيها معنى التعويض، فلو تحملها الجاني وحده لأبهظته، فإن ثروة الفرد غالباً قد تضيق عن مقدار الدية الواحدة التي هي في الأصل مئة من الإبل.
فإن لم يكن للجاني عاقلة أو كانت فقيرة أو عددها قليلاً لا يكفي لتحمل الدية فقد وجدنا بعض الفقهاء؛ كابن القيم يرى أن يقوم بيت المال مقام العاقلة( )، فالمقصود إذن التعويض، فبأي طريقة تحقق كان به، فليس تحمل العاقلة للعبء المالي مسألة تعبدية غير معقولة المعنى، بل هو معقول المعنى المقصود منه جبر النقص أو التلف الحاصل جراء جناية الجاني.
وفي معرض حديث ابن القيم عن خطأ الطبيب الحاذق وأن فعله مضمون على العاقلة إذا كان زائداً عن الثلث، قال: «فإن لم يكن عاقلة، فهل تكون الدية في ماله؟ أو في بيت المال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد»( ).
لكن نظام العاقلة مع ما فيه من عدالة إلا أنه لا يمكن تطبيقه في عصرنا الحاضر في وقت ضعفت فيه الروابط العشائرية في كثير من بلاد المسلمين، ولا يوجد أي إلزام قانوني -فيما أعلم- يلزم العاقلة إن وجدت بتحمل الديات كما هو مقرر شرعاً، كما أن تحميل خزينة الدولة للديات فيه إرهاق كبير لها( ).
إذن لابد من إيجاد آلية لمواجهة الأخطاء الطبية بعد وقوعها وعلاج آثارها، إذا لم يمكن تفعيل دور العاقلة أو لم تكن، ومن ذلك:
1-تأليف لجان طبية شرعية من قبل وزارة الصحة مكونة من خبراء في الفقه والطب، مهمتها التحقيق في أخطاء الممارسات الطبية، وإبداء الرأي الفني والشرعي فيها، وتحديد المسؤوليات، وأن توضع القوانين التي تنظم عمل هذه اللجنة والعقوبات التي تترتب على كل خطأ أو تقصير أو إهمال، كما يحسن تأليف لجنة مماثلة في كل مستشفى أو مؤسسة صحية مهمتها الإشراف على أداء العاملين من أطباء وممرضين وفنيين( ).
2-في حالة ثبوت الخطأ الطبي فإن هناك عدة طرق يمكن بها تعويض المتضرر مثل:
أ) نظام التسوية الودية عن طريق الوصول إلى حل وسط بين المريض المتضرر والطبيب المقصر، وحل المشكلة داخليا دون اللجوء إلى القضاء.
ب) نظام التأمين الإلزامي على المستشفيات والأطباء للتعويض عن الأضرار التي تلحق المرضى جراء الأخطاء الطبية، ويكون هذا التأمين موافقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وبهذا يحصل المريض على التعويض المناسب دون إثقال كاهل الأطباء والمؤسسات الصحية.
ج) إنشاء صندوق التضامن الوطني بمساهمة أثرياء الوطن وبدعم من الدولة للتعويض عن الأخطاء الطبية( ).
د) أن تخصص نقابات الأطباء جزء من اشتراكات منتسبيها للتعويض عن الأخطاء الطبية، وهذا ما ذكره المالكية في بيان العاقلة التي تحمل الدية فذكروا العصبة وأهل الديوان وهم من تدوَّن أسماء منتسبيه في دفتر خاص تجمعهم مهنة واحدة كديوان الجند( )، فلا بأس إذن من اعتبار منتسبي نقابة الأطباء عاقلين عن أخطاء زملائهم( ).
 
الخاتمة
تم بحمد الله إتمام هذا البحث، وقد خلصت إلى ما يأتي:
1-طب الأبدان وطب الأديان صنوان لا يفترقان.
2-تشمل الأخطاء الطبية بمفهومها الواسع الأخطاء الناجمة عن تعمد الطبيب الاعتداء، وعن جهل الطبيب بالمهنة وأصولها، وعن تقصيره في مزاولتها، والأخطاء الناجمة بعد استنفاد جميع الوسائل والطرق المتبعة في العلاج.
3-قامت الأدلة الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس على مسؤولية الطبيب عن أعماله وأخطائه الطبية.
4-أهم موجبات المسؤوليات الجنائية عن الأخطاء الطبية هي الاعتداء العمد، ومخالفة الأصول العلمية للمهنة، والجهل بها والخطأ في ممارستها.
5-يترتب على قيام الطبيب بالاعتداء العمد على المريض مسؤوليته جنائياً عن جريمة القتل العمد الموجب للقصاص، وإن كانت على ما دون النفس فيثبت القصاص فيما دون النفس كذلك.
6-يترتب على مخالفة الطبيب للأصول العلمية للمهنة والجهل بها والخطأ في ممارسة المهنة وجوب الضمان، وتكون على عاقلته في حال المخالفة والخطأ، وعليه في حال الجهل في أرجح أقوال الفقهاء.
7-لا يسأل الطبيب جنائياً في حال قيامه بعمله إذا كان حاذقاً ماهراً ملتزماً بالأصول العلمية للمهنة ولم يخطئ أثناء قيامه بعمله، وكان حاصلاً على شهادة علمية معترف بها في تخصصه، ومرخصاً له بالعمل من قبل الدولة، وحاصلاً على إذن المريض.
8-حرصت الشريعة الإسلامية على الوقاية من الأخطاء الطبية قبل وقوعها، وعملت على علاجها بعد وقوعها بتشريعات عدة تحفظ حق الطبيب والمريض معاً.

 
قائمة المصادر والمراجع
1.  القرآن الكريم
2. الآداب الشرعية والمنح المرعية، أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعمر القيام، ط2، 1417هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
3. الإجماع، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد، ط3، 1402هـ، دار الدعوة، الإسكندرية.
4. أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، محمد المختار الشنقيطي، ط3، 1424هـ، 2004م، مكتبة الصحابة، الشارقة.
5. أحكام الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية، محمد أبو حسان، ط1، 1408هـ، 1987م، مكتبة المنار، الأردن.
6. الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، أحمد شرف الدين، ط2، 1407هـ، 1987م.
7. إعلام الموقعين عن رب العالمين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، ط1973، دار الجيل، بيروت.
8. الأم، محمد بن إدريس الشافعي، ط2، 1393هـ، دار المعرفة، بيروت.
9. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، أبو بكر علاء الدين الكاساني، ط2، 1402هـ، 1982م، دار الكتاب العربي.
10. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي، دار الفكر.
11. التاج والإكليل، أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري"المواق"، ط2، 1398، دار الفكر، بيروت.
12. تحفة المودود في أحكام المولود، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، ط1، 1391هـ، 1971م، دار البيان، دمشق.
13. التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية، قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، ط1، 1412هـ، 1991م، مكتبة الفارابي، دمشق.
14. الجريمة، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.
15. حاشية البجيرمي، سليمان بن عمر  البجيرمي، المكتبة الإسلامية، تركيا.
16. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، شمس الدين محمد بن عرفة الدسوقي، تحقيق محمد عليش، دار الفكر.
17. حاشية ابن عابدين، محمد أمين الشهير بابن عابدين، ط2، 1386هـ، دار الفكر، بيروت.
18. حواشي الشرواني، عبد الحميد الشرواني، دار الفكر، بيروت.
19. الخطأ الطبي الجراحي، منير رياض حنا، ط1، 2008م، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية.
20. خطأ المضرور وأثره في المسؤولية الجنائية، صالح بن إبراهيم الحصين، رسالة دكتوراه، 1425هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
21. الخطأ المهني والخطأ العادي، إبراهيم علي الحلبوسي، منشورات الحلبي الحقوقية.
22. درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر، دار الكتب العلمية، بيروت.
23. الدر المختار شرح تنوير الأبصار، محمد بن علي الدمشقي الحصكفي ، ط2، 1386هـ، دار الفكر، بيروت.
24. دفع المسؤولية المدنية وتطبيقاتها القضائية، محمد بن عبيد الدوسري، رسالة دكتوراه، 1424هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
25. الذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق محمد حجي، ط1994م، دار الغرب، بيروت.
26. رفع المسؤولية الجنائية، سامي جميل الكبيسي، ط1، 1426هـ، 2005م، دار الكتب العربية، بيروت.
27. روضة الطالبين ، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ط2، 1405هـ، المكتبة الإسلامية، بيروت.
28. زاد المعاد في هدي خير العباد، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، ط3، 1419هـ، 1998م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
29. سبل السلام شرح بلوغ المرام، محمد بن إسماعيل الصنعاني، تحقيق محمد عبد العزيز الخولي، ط4، 1379هـ، دار إحياء التراث.
30. سنن أبي داوود، أبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
31. سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
32. سنن النسائي الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، تحقيق محمد عبد الغفار، وسيد كسروي حسن، ط1، 1411هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
33. شرح الزرقاني، محمد بن عبد الباقي الزرقاني، ط1، 1411هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
34. شرح الزركشي على مختصر الخرقي، محمد بن عبد الله الزركشي، ط1، 1423هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
35. شرح القواعد الفقهية، أحمد محمد الزرقاء، تحقيق مصطفى أحمد الزرقاء، ط2، 1409هـ، دار القلم، دمشق.
36. الشرح الكبير، أبو البركات أحمد الدردير، تحقيق محمد عليش، دار الفكر، بيروت.
37. شرح منتهى الإرادات، منصور بن يونس البهوتي، ط2، 1996م، عالم الكتب، بيروت.
38. صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق مصطفى ديب البغا، ط3، 1407هـ، 1987م، دار ابن كثير، بيروت.
39. صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
40. ضمان العدوان في الفقه الإسلامي، محمد أحمد سراج، ط1، 1409هـ، 1989م، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة.
41. الطب النبوي، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، المكتبة الثقافية، بيروت.
42. عون المعبود شرح سنن أبي داوود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، ط2، 1995م، دار الكتب العلمية، بيروت.
43. الفتاوى الفقهية الكبرى، ابن حجر الهيتمي، دار الفكر، بيروت.
44. الفتاوى الهندية، الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، ط1411هـ، دار الفكر، بيروت.
45. الفروق مع هوامشه، أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، تحقيق خليل منصور، ط1، 1418هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
46. الفعل الضار والضمان فيه، مصطفى أحمد الزرقاء، ط1، 1409هـ، 1988م، دار القلم، دمشق.
47. فقه عمر بن الخطاب t، رويعي بن راجح الرحيلي، ط1، 1403هـ، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
48. القاموس المحيط، ، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، تحقيق مكتب التراث في مؤسسة الرسالة، ط1، 1406هـ، 1986م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
49. قضايا طبية معاصرة في ميزان الشريعة، محمود السرطاوي، ط1، 1428هـ، 2007م، دار الفكر.
50. قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، ط1410هـ، 1990م، مؤسسة الريان، بيروت.
51. القوانين الفقهية، محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي.
52. الكافي، أبو عمر يوسف بن  عبد الله بن عبد البر القرطبي، ط1، 1407هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
53. كشاف القناع على متن الإقناع،  منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، تحقيق هلال مصيلحي مصطفى هلال، ط1402هـ، دار الفكر، بيروت.
54. المبدع، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح، ط1400هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.
55. مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي  المدعو بشيخي زاده، ط1، 1419 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
56. مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، أبو محمد بن غانم بن محمد البغدادي، تحقيق محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد.
57. مجموع الفتاوى، أبو العباس أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم العاصمي النجدي، ط2، مكتبة ابن تيمية.
58. المحلى، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
59. مسؤولية الأطباء، محمود محمد عبد العزيز الزيني، 1993م، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية.
60. المسؤولية الجنائية للأطباء والصيادلة، منير رياض حنا، ط1989، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية.
61. مسؤولية الطبيب، أحمد شرف الدين، ط1986م.
62. مسؤولية الطبيب الجنائية في الشريعة الإسلامية، أسامة إبراهيم علي التايه، ط1، 1420هـ، 1999م، دار البيارق ، الأردن.
63. مسؤولية الطبيب المهنية، عبد الله بن سالم الغامدي، ط1، 1418هـ، 1997م، دار الأندلس الخضراء، جدة.
64. مسؤولية المستشفيات الحكومية، أحمد عيسى، منشورات الحلبي الحقوقية.
65. مصنف عبد الرزاق، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ط2، 1403هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.
66. مطالب أولي النهى، مصطفى السيوطي الرحيباني، ط1961م، المكتب الإسلامي، دمشق.
67. معالم السنن شرح سنن أبي داود، أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي، ط1، 1351هـ، 1932م، المطبعة العلمية، حلب.
68. المغني على مختصر الخرقي، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامه المقدسي، ط1، 1405هـ، دار الفكر، بيروت.
69. مغني المحتاج، شمس الدين محمد الخطيب الشربيني، دار الفكر، بيروت.
70. المنجد، لويس معلوف، ط18، المطبعة الكاثوليكية، بيروت.
71. منح الجليل، محمد عليش، ط1409هـ، دار الفكر، بيروت.
72. الموافقات، إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، تحقيق عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت.
73. موانع المسؤولية الجنائية، مصطفى إبراهيم الزلمي، ط1، 2005م، دار وائل، الأردن.
74. مواهب الجليل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي "الحطاب"، ط2، 1398هـ، دار الفكر، بيروت.
75. الموسوعة الطبية الفقهية، أحمد محمد كنعان، ط1، 1420هـ، دار النفائس، بيروت.
76. موطأ مالك، أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
77. النهاية في غريب الحديث والأثر، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق طاهر أحمد الشراوي، ومحمود أحمد الطناجي، ط1399هـ، 1979م،  المكتبة العلمية، بيروت.
78. نهاية المحتاج، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي، ط1404هـ، دار الفكر، بيروت.
79. نيل الأوطار، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ط1973م، دار الجيل، بيروت.