التداوي بالوسائل الطبية المعاصرة


إعـــداد
الدكتور حسن يشو

قسم الفقه و الأصول
كلية الشريعة و الدراسات الإسلامية
جامعة قطر
 

  
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و آله و صحبه و من والاه، و بعد:
فإن موضوع "التداوي بالوسائل الطبية المعاصرة" أحد محاور مؤتمر الفقه الإسلامي الثاني قضايا طبية معاصرة؛ بتنظيم وزارة التعليم العالي بإشراف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية لعام: 1430 هـ الموافق: 2009م، فعقدت العزم على الكتابة في ذلكم المحور( )؛ لأهميته و حيويته في اللحظة التاريخية، و ما زالت الأبحاث تتدفق بشأنه، و كذا الندوات و المؤتمرات الدولية، لا سيما و أن هذا العصر برع فيه أطباء حذاق و خبراء خرّيتون في عالم البيولوجيا، فأسْدوا خدمات منقطعة النظير، و قدموا جهودا علمية لم يكن لسلفهم بها عهد، و لا يشق لهم غبار في عالم صناعة الأدوية و الاهتداء إلى طرق علاج جديدة بوسائل طبية معاصرة باهرة بحيث لم تكن معروفة من قبل و تزامن ذلك مع ظهور أمراض معضلة استعصت على العلاج و جربت معها مختلف الأدوية، فنشط البحث العلمي و مختبراته و تطورت أساليب العلاج و أنواع الدواء
و مصادره بصورة عجيبة و مذهلة! لكن معظم تلكم التجارب وردت إلينا من عالم لا تحكمه قواعد الشريعة الإسلامية الغراء و مقاصدها، و لم ترع قِيمَنا العليا حق رعايتها؛ و هذا كله كان سبب ظهور مشكلات طبية معاصرة؛ و ألقى بظلاله في ميدان البحث الفقهي الطبي، فكان لزاما بحث أحكام التداوي و تقييد ضوابطه و قواعده الحاكمة، و تتبع أثر الوسائل الطبية المعاصرة على الصلاة و الصيام من حيث المفطرات مثل استعمال بخاخ الربو أثناء الصيام و إدخال منظار المعدة و القسطرة في الشرايين و الغسيل الكلوي..إلخ. و موضوعات أخرى كالتداوي بالمحرمات التي ابتلي بها الطب المعاصر بتركيب مواد طبية فيها نسب من الكحول و النجاسات و كذا أحكام صناعة الدواء.
و إذ نتابع هذه المستجدات و نحن على ثقة تامة بآليات الاجتهاد الفقهي المرنة في رصدها و تقفّر صورها، و لا نعدم وسيلة في تقويمها و استصدار الأحكام الفقهية المناسبة لها عبر هذه المجامع الدولية و الندوات و المؤتمرات في مسمى الاجتهاد الجماعي المؤسس. و إن شريعتنا جاءت رحمة للناس قاطبة؛ قال تعالى: ﮋ ﮐ ﮑ ﮒ        ﮓ ﮔ      ﮊ ( ) و قال: ﮋ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ   ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ    ﮋ ﮌ   ﮍ ﮎ ﮏ  ﮊ ( ) و جاءت لجلب المصالح و تكثيرها و درء المفاسد و تقليلها، و من أكبر صفاتها و خصائصها السماحة و رفع الحرج و التيسير على الناس؛ و مراعاة العرف و الخلاف و الحال و المآل، و فقه الضرورة و أحكامها؛ مما وفر لها البقاء و الخلود بمسايرتها كل التطورات و مواكبتها كل المستجدات، فأضحت صالحة لكل زمان و مكان ولكل عصر و مصر؛ لقوله تعالى: ﮋ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ  ﯛ ﯜ ﯝ  ﯞ ﮊ( ) و لقوله أيضا: ﮋ ﮪ ﮫ  ﮬ  ﮭ ﮮ  ﮯ ﮰﮱ ﮊ  ( ) و تجلى ذلك في مختلف القواعد المطردة على غرار: المشقة تجلب التيسير و للضرورات أحكام، و الحاجة تنزل منزلة الضرورة، و الأمر إذا ضاق اتسع..إلخ.
و هذه من خصائص فقهنا الإسلامي الذي لم يقف عاجزا في يوم من الأيام أمام النوازل و المحدثات. قال سفيان الثوري: الفقه الرخصة من ثقة و أما التشديد فيحسنه كل الناس. و تماما كما قال أهل الفقه الرصين: ليس العالم من حمل الناس على ورعه، و لكن العالم من أفتى الناس بما يسعهم في دينهم.
إن هذه الشريعة السمحة ليست دين الحظر و الحرمان، و لا التبتل و الانقطاع للدار الآخرة، بل سمتها التوازن و الوسطية؛ قال تعالى: ﮋ ﯨ ﯩ    ﯪ ﯫ ﯬ    ﯭﯮ ﯯ ﯰ   ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﮊ ( )، بل دين المشاركة و التفاعل بإيجابية في هذه الحياة الدنيا، و قد أباح لنا كل ما فيها من متاع حلال و زينة فقال تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ  ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﮊ( )، و قال: ﮋ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ  ﮊ ( )، و نعى على المخالفين و أنكر عليهم بقوة في قوله:  ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ  ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ  ﭳ ﭴ ﭵ  ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ   ﭻ ﭼ   ﭽ    ﭾ ﮊ ( ) .
قال الإمام الغزالي: "و مقصود الشرع من الخلق خمسة: و هو أن يحفظ عليهم دينهم و نفسهم و عقلهم و نسلهم و مالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة: فهو مصلحة"( ).
و قال ابن قيم الجوزية: "الشريعة مبناها و أساسها على الحِكَم و مصالح العباد في المعاش و المعاد و هي عدل كلها و رحمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور و عن الرحمة إلى ضدها و عن المصلحة إلى المفسدة و عن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة و إن أدخلت بالتأويل" . و على هذا المنهاج القويم نعالج مختلف القضايا الطبية المعاصرة و في مقدمتها أحكام التداوي بالوسائل الطبية الحديثة، و الله من وراء القصد.
خطة البحث:
و قد قسمت البحث بعد هذه المقدمة، إلى مدخل عام و أربعة فصول، تناولت فيها كل المواد المطروحة للمناقشة، وفق الآتي:
 الفصل الأول: أحكام التداوي قواعد و ضوابط.
الفصل الثاني: أثر التداوي في الصلاة و الصيام.
الفصل الثالث: التداوي بالمحرمات.
الفصل الرابع: أحكام صناعة الدواء.
و خاتمة نسأل الله حسنها، و صلى الله على نبينا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما، و الحمد لله رب العالمين.
 
مدخل عام:
التعريف بمصطلحات البحث:
درج المناطقة على تداول قاعدة: "الحكم على الشيء فرع من تصوره"؛ علاوة على أهمية "التعريفات" في البحوث العلمية الوازنة؛ الشيء الذي اضطرّنا لهذه الوقفة المتأنية في تحديد مصطلحات البحث و فك رموزه و لو على مستوى عنوان البحث؛ فهو مفتاح الدخول إلى صلب الموضوع.
تعريف "التداوي":
التداوي: هو مصدر تداوى، و تداوى المريضُ تداويا أي تناول الدواءَ.
أما داوى يُداوي مُداواةً؛ فهو مُتعدّ، و منه داوى الطبيبُ المريضَ أي عالجه.
التداوي يكون من جهة المريض؛ و يشمل مختلف أصناف العلاج؛ و منه تناول الدواء كالحبوب و الحقن و إجراء الفحوصات و العمليات الجراحية أو الطبيعية أو النفسية؛ كل ذلك من جراء استئصال المرض بجذوره أو التخلص من حمى أعراضه.
تعريف الوسائل:
الوسائل مفرد وسيلة؛ و هي من مادة "وسل" و تعني: القُربة و الوصلة و الواسطة؛ أي ما يتوسل به إلى الشيء و يتقرب به.
و نعني بالمصطلح ههنا: الإمكانات و المخترعات و كل ما توصل إليه الطب المعاصر في العلاج و المداواة و التخفيف من معاناة المرضى.
 
تعريف "الطبية":
الطبية نسبة إلى الطب؛ و هو علاج الجسم و النفس. و يأتي بمعنى الحذق و المهارة و الحكمة. و الطبيب من حرفته الطب، أو الطبابة، و هو من يعالج المرضى.
و مقاصد الطب الحفاظ على النفس و البدن و الأعضاء، و دفع الأضرار عنها، ورعاية الصحة.
تعريف المعاصرة
"المعاصرة" من مادة "عصر"؛ و قد أورد ابن فارس لها ثلاثة معاني :
الأول: الدهر، و الحين، و الوقت.
الثاني: عصر الشيء: أي ضغطه حتى يتحلب.
الثالث: العَصَر: الملجأ، و اعتصر بالمكان إذا التجأ به.
و المعنى الأول هو المناسب للمعاصرة؛ و ينسب لشخص على غرار: عصر الرسول ، و عصر هارون الرشيد. أو إلى دولة مثل: عصر العباسيين، أو إلى تطورات طبيعية، أو اجتماعية مثل: العصر الحجري،
و عصر البخار و الكهرباء، و عصر الذرة. و في التاريخ: العصر القديم،
و المتوسط و الحديث..( ).
و المعاصرة ههنا هي:
 تلكم المسائل و القضايا التي جدّت و ظهرت في عصرنا الحاضر، أي في القرن الرابع عشر الهجري، و القرن الخامس عشر الهجري (القرن العشرين و القرن الواحد و العشرين) و تحتاج إلى بيان حكمها الشرعي، و هي التي تسمى بالمستجدات، أو النوازل.
و مسألة المعاصرة مسألة نسبية، فما كان معاصرا في القرن الأول لم يظل معاصرا في القرن الثاني، و هكذا.
و كانت القضايا المعاصرة في القرون السابقة تسمى في كتب الفقه: النوازل و الوقائع، أي الحوادث التي تحتاج إلى استنباط حكم شرعي لها( ).

 

 

 

 

 

أبيض
 

 

 

 


الفصل الأول
أحكام التداوي (قواعد و ضوابط)
 
أبيض
 
تمهيد:
و نحاول عبر هذا الفصل استكشاف أبرز القواعد و الضوابط الفقهية المؤثرة في أحكام التداوي و فقه العلاج. و مصدرها بعد استقراء الكتاب و السنة المطهرة كتب الفروع الفقهية، و السياسة الشرعية، و مقاصد الشريعة، و القواعد الفقهية و تطبيقاتها، و ما استقرت عليه المجامع الفقهية الدولية في معظم قراراتها المتعلقة بالمستجدات الطبية المعاصرة. فلا جرم أنها مصادر و مراجع حافلة بالقواعد المتعلقة بأحكام التداوي تجتمع في باب
و تفترق في أبواب و فروع أخرى.
وغايتنا لمُّ شعثها في هذا الفصل ثم العمل على تنزيلها؛ لتتساوق و أحكام التداوي، و الله الموفق للصواب.
1- مما تقتضيه عقيدة المسلم أن المرض و الشفاء بيد الله  و أن التداوي و العلاج أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون و أنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله. و على الأطباء و ذوي المرضى تقوية معنويات المريض
و الدأب في رعايته و تخفيف آلامه النفسية و البدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه. و إن ما يعتبر حالة ميؤوسا من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء و إمكانات الطب المتاحة في كل زمان و مكان و تبعا لظروف المرضى( ).
2- حق الله وحق العبد - في نفسه وجسده - يوكلان لمن هو منسوبٌ إليه ثبوتًا وإسقاطًا.
3- لا يجوز لأحدٍ أن يتصرّف في حق غيره بغير إذنه. و قد درج الفقهاء على اشتراط إذن المريض إذا كان كامل الأهلية.
4- و أما إن كان المريض عديم الأهلية أو ناقصها على الأقل، فينصرف الأمر لوليه فيُعتبر إذنه، لكن حسب مراتب الولاية الشرعية المفصلة في كتب الفروع الفقهية.
5- و تَصرُّف الولي على المريض منوط بالمصلحة، بمعنى لا يجوز له استغلال حق الولاية لممارسة طائشة تعود على المولى عليه بالضرر، فالولاية منوطة و مقيدة بما فيه منفعة المريض و مصلحته و رفع الأذى عنه.
6- و الدوران بفلك المصلحة الشرعية؛ إذ لا يعتبر تصرف الولي بعدم الإذن إذا كان المريض في حالة تلزم العلاج و كان واضح الضرر، فينتقل الحق إلى غيره من الأولياء، و إن اقتضى الأمر إلى ولي الأمر، و القاعدة: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة".
هذه القواعد تبين أن لا حق لأحد بالتصرف في جسم آخر بغير إذنه، لأنّه اعتداء عليه؛ قال تعالى: ﮋ ﯵ ﯶﯷ ﯸ   ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﮊ  ( ).
وعن أبي بكرة  أن النبي  قال في خطبته يوم النحر بمنى: " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا "( ).
7- من عجز عن النظر في مصالحه، نظر فيها وليه؛ كأن يكون صغيرا أو مجنونا؛ قال ابن قدامة: "وإن ختن صبيًا بغير إذن وليه، أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه، أو من صبي بغير إذن وليه، فَسَرَت جنايته ضمن؛ لأنّه قطعٌ غير مأذون فيه، وإن فعل ذلك الحاكم، أو من له ولاية عليه، أو فعله من أذن له، لم يضمن؛ لأنّه مأذون فيه شرعًا"( ).
8- و لا يتوقف التداوي و العلاج على الإذن في حالات ملحة و ضرورات قصوى إذا ثبت أن المريض معرض للخطر كما هو الشأن في الحوادث الفجائية؛ فينتقل المريض للعناية المركزة و غرف الإنعاش من غير إذنه.
9- و عند ورود الأمراض المعدية و التي ثبتت بالعادة و التجربة أنها تعدي الغير، فلولي الأمر ههنا الإلزام بالتداوي و لو من غير إذن المريض، مثل وضعه قيد الحجر الصحي.
10- قتل الإنسان نفسه أو الإذن بقتله و لو من الطبيب في الحالات المؤلمة فيما يسمى بالقتل الرحيم، لا يجوز بحال من الأحوال أو قطع عضو من أعضائه لا يباح إلا بحق.
11- إسقاط الإنسان لحقه فيما اجتمع فيه حق الله وحق العبد - مشروط بعدم إسقاط حق الله؛ و هذا يعني أن الإذن الطبي ليس معتمدا لذاته اللهم إلا إذا كان له مسوغ شرعي.
12- يقدّم ما كان فيه حق الله وحق العبد على ما كان فيه حق الله وحده؛ وبناء على هذه القاعدة يرخّص بتفويت العبادة - وهي حق الله - حفظًا لمهجة العبد أو أطرافه؛وذلك إذا ترتب على مراعاة الأول ضياع الثاني. ومثاله: إباحة أكل النجاسات أو الميتة أو التداوي بها للضرورة إذا لم يوجد طاهر.
13- مراعاة مقاصد الشريعة في رعاية المصالح الضرورية و الحاجية و التحسينية لا سيما عند تزاحم المصالح و المفاسد بالموازنة بينهما، و استثمار كل القواعد المنبثقة عنها على غرار القواعد التي نعلق عليها تباعا إن شاء الله؛ يقول العز بن عبد السلام: "قد يخفى ترجيح بعض المصالح على بعض، وترجيح بعض المفاسد على بعض، وقد تخفى مساواة بعض المصالح لبعض، ومساواة بعض المفاسد لبعض، فيجب البحث عن ذلك بطرقه الموصلة إليه، والدالة عليه، ومن أصاب ذلك فقد فاز بقصده وعفى عن خطئه رحمة من الله سبحانه ورفقًا بعباده" ؛ و ذلك مثل " الفتوى بجواز علاج من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال بما يؤدي إلى زوال الاشتباه في أمره بمراعاة الغالب من حاله" . و أجاز بعض الفقهاء استعمال تقانات الهندسة الوراثية؛ لإدخال جينات أو مواد نوويّة سليمة إلى جسم الإنسان المكتمل المصاب بمرض وراثي، بقصد العلاج من ذلك المرض بضوابط منها أن لا يؤدي إلى ضرر أكثر من النفع( ). و ما نص عليه قرار المجمع الفقهي الدولي: "لا بد من إجراء الأبحاث الطبية من موافقة الشخص التام الأهلية بصورة خالية من شائبة الإكراه (كالمساجين) أو الإغراء المادي (كالمساكين) و يجب أن لا يترتب على إجراء تلك الأبحاث ضرر"( ).
"الضرر يُزال شرعا"، فهذه القاعدة هي أساس لمنع الفعل الضار عن النفس و الغير، و هي توجب رفع الضرر قبل وقوعه و بعده؛ لأن الوقاية خير من العلاج، فإذا وقع وجبت إزالته و ترميم آثاره( ). قال العز بن عبد السلام: " والطب كالشرع، وضع لجلب مصالح السلامة والعافية،ولدرء مفاسد المعاطب و الأسقام"( ).
 و لإعمال قاعدة: "الضرر يزال" يشترط في الضرر عدة شروط و هي:
1- أن يكون الضرر محققا، في الحال أو المستقبل، فلا تبنى الأحكام على ضرر موهوم أو نادر الحصول عملا بقاعدة: "لا عبرة للتوهم".
2- أن يكون الضرر فاحشا، إذ اليسير مغتفر.
3- أن يكون الضرر بغير حق، كالتعدي و التعسف و الإهمال.
4- و أن يكون الضرر مخلا بمصلحة مشروعة.
5- لا يزال الضرر بمثله.
6- و الضرر لا يكون قديما.
7- و الضرر يدفع بقدر الإمكان.
14- ارتكاب أخف الضررين إذا كان لا بد من أحدهما؛ ومثال ذلك جواز شق بطن المرأة الميتة الحامل؛ لإخراج الجنين إذا كانت حياته تُرجى؛ و كذا إجهاض الجنين إذا كان بقاء الحمل يشكل خطرا مؤكدا على حياة الأم.
و كذلك المرأة إذا استدعى علاجها التكشف؛ فإنها تختار أن تكشف عليها امرأة مسلمة، و إلا فامرأة غير مسلمة، فإن لم يمكن فرجل مسلم؛ لأن كشف الجنس على مثله أهون، والمسلم مأمون أكثر من غيره.
15- و قد اشتملت الشريعة على قاعدة رفع الحرج و دفع المشقة و دفع الضرر بقدره، و أن الضرورات تبيح المحظورات و ارتكاب أخف الضررين لدرء أعلاهما، قرر مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة ما يلي: لا يجوز استعمال الخمرة الصرفة بحال من الأحوال؛ لقول رسول الله:" إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"( ) و لقوله : "إن الله أنزل الداء و جعل لكم دواء، فتداووا و لا تتداووا بحرام"( ). و قال لطارق بن سويد لما سأله عن الخمر يجعل في الدواء: "إن ذلك ليس بشفاء و لكنه داء"( ).
 
يجوز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة تقضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عادل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرا خارجيا للجروح، و قاتلا للجراثيم، و في الكريمات و الدهون الخارجية( ).
و طبقا لنظرية الضرورة الشرعية، يجوز اللجوء للتلقيح الصناعي بغية تحقيق النسل، و نقل الأعضاء، و التشريح لحالات طبية علاجية، و نقل أعضاء الجهاز التناسلي التي لا تنقل الصفات الوراثية و جواز استعمال أدوية مستخلصة من المشيمة، و شراء الدم إذا لم يوجد من يتبرع به، علاوة على ما ذكرناه آنفا في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر لا يتوقف العلاج على الإذن؛ و القاعدة: "للضرورات أحكام".
16- "الحاجة تنزل منزلة الضرورة"؛ و القاعدة من مظاهر التخفيف في التشريع الإسلامي؛ بحيث لا تقتصر على حالات الضرورة الملجئة فقط، يل تطّرد على الحاجات أيضا و هي دون الضرورة طبعا، فيُؤثر هذا الاحتياج في تغيير الحكم الشرعي التكليفي إلى رفع الحظر؛ و من ذلك على سيبل المثال لا الحصر التحكم المؤقت في الإنجاب إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعا.
17- "الضرورة تقدر بقدرها"، أو "تقيد بقيودها"، و قريبا منها: ما جاز لعذر بطل بزواله. و القاعدتان تعملان بجانب ما سلف من قواعد الضرورة و الحاجة الشرعيتين؛ إذ ما شرع للضرورة يرخص منه القدر الذي تندفع به الضرورة فقط. و من ذلك تداوي المرأة المسلمة و علاجها لدى الطبيب بحيث تضطر لكشف عورتها بالمقدار الذي يسعف على الفحص الدقيق و العلاج، و لا تكشف إلا القدر المطلوب، و كذا نظر الطبيب المسلم لعورات المريضات من غير توسع و الله تعالى أعلم.
18- "الأمر إذا ضاق اتسع" و "إذا اتسع ضاق"، و القاعدتان لا تبتعدان عما سلف؛ لأن بعض الأدوية في العلاج قد تستخرج من بعض المحرمات كالخنزير و الكحول و تتعين في علاج بعض الأمراض، و منها ما يتوقف عليها أنسولين المصابين بالسكري مثلا، فالقاعدة الأولى الأمر إذا ضاق وجوده في الحلال اتسع استعماله و إن كان حراما. لكن إذا اتسع بحيث يمكن استخراجه من الحلال ضاق باستعمال الحلال فقط.
 وبناء على ذلك أفتى المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة عدة فتاوى مستندة لهذه القاعدة منها: إباحة التداوي بالهيبارين الجديد ذي الجزيئي المنخفض - والذي يستخلص عادة من أكباد ورئات الحيوانات ومنها الخنـزير - وذلك عند عدم وجود البديل المباح الذي يغني عنه في العلاج إذا كان البديل يطيل أمر العلاج.
19- "المشقة تجلب التيسير"، لاسيما المشقة غير المعتادة و لا يتحملها المكلف، "على أن المشقة قد علق بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقة مرض و ألم يضر به جاز معها الفطر و الصلاة قاعدا أو على جنب و ذلك نظير قصر الصلاة، و إن كانت مشقة تعب فمصالح الدنيا و الآخرة منوطة بالتعب و لا راحة لمن لا تعب له"( ).
20- "الميسور لا يسقط بالمعسور"؛ و هذه القاعدة تعتبر قيدا لما قبلها، فإن تعذر على المكلف القيام ببعض الواجب، و أمكن القيام بالبعض الآخر، وجب عليه القيام بالممكن و سقط عنه ما تعذر عليه أو عجز عنه تماما كما هو الحال في التداوي و بعض أحكامه.
21- "العادة محكمة"، و هي من القواعد الخمس التي ينبني عليها الفقه الإسلامي، فإن وجد الناس يتداوون بأنواع من الأدوية أو يتداولون طرقاً للعلاج جرب نفعها و بان مفعولها و لم تكن مخالفة لشرع أو نص أو أصل فالعادة صحيحة، و محكمة. و "العادة ما استمر الناس عليه على حكم العقول و عادوا إليه مرة بعد مرة"( ).
22- و "الأصل في الأشياء الإباحة"، ما قيل عن ذي قبل يقال عنها هنا، حتى يثبت دليل بالإبطال و الإلغاء.
23- الطبيب غير الحاذق و غير المتخصص إذا تدخل فيما لا يعنيه و ليس من اختصاصه فهو ضامن، للأثر في الباب: "من تطبب و لم يُعلم من طب قبل ذلك فهو ضامن"( )، فمتى حصل تقصير من الطبيب فقد يتوجه تضمينه -كما هو قول الجمهور -أما لو كان عمله موافقًا للأصول العلمية والعملية للطب فإنّه إذا ترتب على ذلك تلف نفس أو عضو، فإنّ الطبيب لا يضمنه بالاتفاق و لا يتقيّد عمل الطبيب بشرط السلامة ولا يطلب منه إلا القيام بالمعتاد من العناية، ولا يسأل إلا عن تقصيره فيها.
24- الجواز الشرعي ينافي الضمان. فإذا فعل الطبيب ما يجوز له فعله فلا يسأل عن الضرر الحادث ولو كان سببًا له؛ لأن المرء لا يؤاخذ على فعلٍ يملك أن يفعله.
25- و القاعدة في جواز التداوي بالأدوية التي تدخل في تركيبها بعض المحرمات كالكحول و الجيلاتين من الحيوانات كالخنزير و النجاسات، الأصل أن لا يكون هناك دواء آخر من الحلال يقوم مقامها و بديلا مشروعا عنها.
26- و أن يكون ذلك بإخبار طبيب عدل ثقة و حاذق متخصص متقن في مجاله.
27- و على الطبيب المسلم أن يتوقف عن وصف الأدوية المحرمة و المشبوهة التي تشوبها شائبة النجاسات و الكحول للمرضى اللهم إلا في حالات الضرورة القصوى بقيودها الشرعية.
28- و في ضوابط التداوي ننصح الأمة الإسلامية أن تعنى برسالة الطب، و تأخذ على عاتقها تبعة صناعة الأدوية بنفسها لتنقيتها من كل محظور شرعي.

 

 

الفصل الثاني
أثر التداوي في الصلاة و الصيام
 
أبيض
 
و نتناول هذا الفصل في مبحثين أساسيين هما:
المبحث الأول: أثر التداوي في الطهارة و الصلاة.
المبحث الثاني: أثر التداوي في الصيام.
المبحث الأول: أثر التداوي في الطهارة و الصلاة:
لا جرم أن ثمة مسائل فقهية أسفر عنها التداوي و لا سيما بواسطة الوسائل الطبية المعاصرة، و في هذا المبحث أرصد ما تيسر لي ملاحظته في بيان وجه العلاقة مع التأصيل الشرعي وفق الآتي:
أولا: الحجر الصحي:
و يعتبر الحجر الصحي من التشريعات المعاصرة و الوسائل الطبية المعاصرة، و للعلم فقد سجل الإسلام سبقه في هذا الموضوع؛ و ذلك في حالة وجود مرض معدي، و قد وردت أحاديث صحيحة في منع الدخول و الخروج من البلد الذي انتشرت فيه هذه الأمراض المعدية كالطاعون مثلا؛ قال : "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، و إذا وقع بأرض و أنتم بها، فلا تخرجوا منها"( ).
و قد أورد البخاري( ) و مسلم( ) في الطاعون أحاديث كثيرة.
ظهور أمراض معدية معاصرة:
كان من آخرها ما تداولته وسائل الإعلام و ما تزال لحد اللحظة على غرار أنفلونزا الخنازير، و ترتبت عنها مؤتمرات في أثر المرض على الحج و العمرة و اتخذت بعض الدول مواقف سلبية من منع رعاياها للحج و العمرة خشية التأثر بالعدوى و نقلهم لبلادهم، و ما زال المرض قيد البحث و الدراسة لإنتاج لقاح و تطعيم جديد ضده، هذا إلى جانب الأمراض المعدية الأخرى كإنفلونزا الطيور و جنون البقر و الجمرة الخبيثة و الإيدز و السيلان و الزهري و التهاب السحايا و السل و الكزاز (التيتانوس) و الالتهابات الكبدية الفيروسية و الحصبة و الدفتيريا (الخناق)..إلخ.
طرق انتشار العدوى:
إن ثمة طرقا كثيرة لانتشار العدوى و خلق بيئة لامتدادها منها العطاس و ترك رذاذ في الجو مثل إنفلونزا الخنازير، و بطريق الاستنشاق المباشر أو حتى غير المباشر باستخدام أدوات المريض مثل المناديل و الجلوس أو النوم على نفس الفرش و استعمال نفس الأغطية، و مادام له هذا الأثر فعلاقته بالصلاة في أفرشة المساجد و السجادة المستعملة للصلاة و أماكن الوضوء. و منها طرق أخرى كالطعام و الشراب و عن طريق الدم أو عن طريق الجلد و هذا له علاقة بالاحتكاك في صلاة الجماعة مثل الأمراض الخاصة بحشرة الرأس كالقمل و الجلد.
الحجر الصحي يمنع من ارتياد المساجد لصلاة الجماعة:
إن هذه الوسيلة الطبية المعاصرة المتمثلة في الحجر الصحي تعد من الطرق الناجعة لمقاومة العدوى و الحد من انتشارها، و يترتب عنها أثر في صلاة الجماعة مثل شهود الصلوات الخمس في المساجد، و هي من السنن،
و صلاة الجمعة، و هي من فروض الأعيان، و صلاة العيدين، بل و الصلاة في الأراضي المقدسة مثل الحرمين: المسجد الحرام، و المسجد النبوي و هلم جرا؛ و الأصل حجر انتشار العدوى في الناس الأبرياء بمجرد الاحتكاك الناتج عن المصابين بالعدوى في تسوية الصفوف، و ورود الرقبة بجوار الرقبة و القدم، بجوار القدم و ما يصاحب ذلك أحيانا من مصافحات للمصلين و معانقات، لا سيما في المناسبات الدينية كالأعياد أو عند تلاقي الأحباب و الخلان و الزملاء و الجيران و الأقارب.
ثانيا: الاستحالة و أثرها على محل الصلاة و بعض شروطها:
تعريف الاستحالة:
فمادة الاستحالة هي: "حول" و حال الشيء: إذا تغير من حال إلى حال، و يقال: تحول تحولا أيضا، و منها كانت كلمة استحال يستحيل استحالة( ).
و هذا المعنى اللغوي حاضر في المعنى الاصطلاحي؛ فالاستحالة: هي تغير حقيقة الشيء و أوصافه و انقلابه إلى حقيقة و أوصاف أخرى؛ بتفاعل كيميائي كتغير الزيوت و الشحوم إلى صابون و تحول الدم في أعضاء الحيوانات إلى لبن و استحالة الخمر خلا.
طهارة الجلود النجسة بالدباغة:
و هذا ما بحثه الفقهاء القدامى في باب الطهارة؛ و خلاصة قول الجمهور( ) طهارة الجلود النجسة بالدباغة، و استثنوا على القول الراجح جلود الخنازير و الكلاب؛ لقول النبي : "أيما إيهاب دبغ فقد طهر"( )،
و العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. و عليه، فيمكن أن تتخد تلكم الجلود سجاجيد للصلاة، و ثوبا على عاتق المصلي و لا بأس.
الاستحالة و أثرها على موضع الصلاة:
و ذكر فقهاؤنا السرجين و العذرة و الأعيان القذرة عندما تتحول إلى الرماد عن طريق الحرق يصبح الرماد طاهرا عند جمهور الحنفية خلافا للشافعية في المذهب الجديد( ). و كذا الميتة و الخنزير و الفأرة و السنور، إذا وقعت في رشح و أرض مملحة، فأصبحت هذه الحيوانات ملحا بحيث لا تستطيع أن تميز بينها و بين ما كانت عليه، فإنها تأخذ حكم الملح الطاهر؛ لأنها و إن كانت أعيانا نجسة فقد استحالت ملحا، و استحالت عن جميع صفات الدم و العظم و اللحم؛ و خرجت عن اسمه إلى صفات و اسم يختص بها، و عليه، فإن هذا الرشح و الأرض المملحة طاهرة صالحة للصلاة فيها دون حرج إن شاء الله.
لأن الحيوان يتغذى من النجاسات فتستحيل إلى اللحم فيكون طاهرا.
هذا، و جاء في الحديث الصحيح: "نعم الإدام الخل"( ). و هذا مدح للخل الذي كان مصدره الخمر، لكنه استحالت عينه و صفاته و اسمه بطل حكمه الذي علق على ذلك الاسم كما قال ابن حزم( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، كالخمر لما كان الموجب لتحريمها و نجاستها هي الشدة المطربة، فإذا زالت بفعل الله تعالى طهرت" ( ).
أثر الاستحالة في طهارة بدن المسلم و صلاته:
و ذلك مثل الزيت النجس و تحويله إلى صابون، طهر عند الحنفية( )،
و عليه فإن صلى صحت صلاته، و لا يعد حاملا للنجاسة أو مخلا بصلاته؛ لأن شرطها الطهارة من الحدث و الخبث، على اعتبار أن الصابون ليس خبثا علق بالبدن، و الله تعالى أعلم.
أثر الاستحالة في الماء:
و قد يكون ضربا من الاستحالة ما اصطلح عليه الفقهاء بالاستهلاك؛ بحيث تقع النجاسة في الماء، فلا يبقى لها أثر، فتغيب فيه بالمرة، و تفقد صفاتها بل و حقيقتها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "و في الجملة، فهذا القول هو الصواب؛ و ذلك أن الله حرم الخبائث التي هي الدم و الميتة و لحم الخنزير و نحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره، و استهلكت لم يبق هناك دم و لا ميتة و لا لحم الخنزير أصلا، كما أن الخمر استهلكت في المائع لم يكن الشارب لها شاربا للخمر، و الخمرة إذا استحالت بنفسها صارت خلا كانت طاهرة باتفاق العلماء.."(  ). و عليه، فإن هذا الماء المستحال يجوز الوضوء به لا سيما إذا كان كثيرا؛ لقوله : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"( ).
أثر الاستحالة في التيمم:
ما قيل عن الأعيان النجسة عند استحالتها إلى أعيان أخرى بتغير أوصافها، تصير طاهرة في الصلاة عليها كالأرض المملحة أو الصلاة بها كالجلود المدبغة و الوضوء بها كالمياه المستهلكة فيها الأعيان النجسة، و كذا الطين المطبوخ إذا صار فخارا أو الأرض المالحة بالتقادم استحالت فيها الأعيان النجسة تكون صالحة للتيمم؛ لأنها مما صعد على الأرض؛ لقوله تعالى: ﮋ ﭺ ﭻ ﭼ  ﮊ( ) .
التطهر بمياه المجاري بعد تنقيتها:
و هذا موضوع جديد بجدة الوسائل التقنية المعاصرة التي تعمل على تنقية مياه المجاري النجسة؛ بإزالة و عزل العناصر النجسة و الخلوص إلى الماء الطاهر، و قد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء دراسة حول الموضوع( ). و قد قدمته بين يدي هيئة كبار العلماء من جراء استصدار قرار فقهي حاسم؛ لما يترتب عليه من مصالح و منافع( ) في قضية المياه و حل أزماته بالنسبة للشرب و الري على مستوى الزراعة و الفلاحة، و الطهارة في مجال العبادة؛ فطلع القرار رقم 64 بتاريخ: 25/10/1398هـ، و نصه: بناء على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه، زال تغيره بطول المكث، أو تأثير الشمس و مرور الرياح عليه و نحو ذلك؛ لزوال الحكم بزوال علته.
و حيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلص من نجاستها بعدة وسائل و حيث إن تنقيتها و تخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لإعمال التنقية يعتبر من أحسن وسائل الترشيح و التطهير، حيث يبذل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات، كما يشهد بذلك و يقرره الخبراء المختصون بذلك، ممن لا يتطرق الشك إليهم في عملهم و خبرتهم و تجاربهم.
لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة، بحيث تعود إلى خلقتها الأولى، لا يرى فيها تغير بنجاسة في طعم و لا لون و لا ريح، و يجوز استعمالها في إزالة الأحداث و الأخباث و تحصل الطهارة بها منها، كما يجوز شربها، إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك، محافظة على النفس و تفاديا للضرر، لا لنجاستها.
و المجلس إذ يقرر ذلك، يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وجد إلى ذلك سبيل احتياطا للصحة، و اتقاء للضرر، و تنزها عما تستقذره النفوس، و تنفر منه الطباع و الله الموفق( ).
هذا و إن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة بمكة المكرمة في تاريخ الأحد 13 رجب 1409هـ قد نظر في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيتها، هل يجوز رفع الحدث بالوضوء و الغسل به؟ و هل إزالة النجاسة منه؟
و بعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية، و ما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربع و هي:
الترسيب و التهوية، و قتل الجراثيم، و تعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثر في طعمه و لونه و ريحه، و هم مسلمون عدول موثوق بصدقهم و أمانتهم.
قرر المجمع ما يأتي:
إن ماء المجاري إذا نقي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها، و لم يبق للنجاسة أثر في طعمه و لا في لونه و لا في ريحه صار طهور يجوز رفع الحدث و إزالة النجاسة به؛ بناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه النجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه و الله أعلم .
ثالثا: استعمال الدواء لرفع الحيض:
و من الوسائل الطبية المعاصرة الاهتداء إلى صناعة أدوية ترفع الحيض عن المرأة، و هذه العادة وجدت قديما؛ فقد روي أن ابن عمر سئل عن الحائض تشرب الدواء ليرتفع حيضها حتى تطوف و تنفر؟ فأجاز ذلك و نعت لهن ماء الأراك( ).
و لهذه الوسيلة في حبس الدورة الشهرية أثر على العبادات مثل الحج للطواف و الصيام، بل و الصلاة أيضا بحيث إنها تصلي و تصوم و تطوف و يأتيها زوجها و لا حرج؛ لأنها تصير طاهرة غير حائض، و الحكم يدور مع علته وجودا و عدما.
القول بكراهته؛ لأنه مظنة الضرر:
قال الشيخ أحمد الصاوي المالكي: من سماع ابن القاسم من استعملت الدواء لرفعه عن وقته المعتاد فارتفع فيحكم لها بالطهر و عن ابن كنانة من عادتها ثمانية أيام مثلا فاستعملت الدواء بعد ثلاثة مثلا رفعه بقية المدة فيحكم لها بالطهر خلافا لابن فرحون من الأصل لكن قال العلماء: هذا العلاج مكروه؛ لأنه مظنة الضرر( ).
القول بجوازه مع أمن الضرر و إذن الزوج:
و قال الحنابلة: و يجوز شرب دواء مباح لقطع الحيض مطلقاً مع أمن الضرر، و منهم من علق الجواز على إذن الزوج( ).
و أن يكون الدواء معروفا:
و قال في المغني: و لا بأس أن تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض إذا كان دواء معروفا( ). قال ابن قيم: إذا كان دواء يعرف، فلا بأس( ).
 
و أن يكون باستشارة الطبيب:
قال الشيخ يوسف القرضاوي: إن تناول هذه الحبوب ليس ممنوعا شرعا! إذ لا دليل على منعه ما لم يكن من ورائه ضرر بالمرأة؛ و لهذا يحسن أن يكون باستشارة طبيب مختص( ).
و به أفتى الجلة من الفقهاء المعاصرين كالعلامة ابن باز( )، و الشيخ محمد بن عثيمين( )، و الشيخ محمود الصواف( )، و الشيخ عفيف عبد الفتاح طبارة( )، و الشيخ سيد سابق( )، و اللجنة الدائمة للبحوث العلمية
و الإفتاء( ).
 
رابعا: رأي الطب الحديث بأن الحامل لا تحيض:
إن هذه المسألة أرقت الفقهاء القدامي، و اختلفوا هل المرأة الحامل تحيض أم لا؟ على قولين:
 القول الأول: إن الحامل قد تحيض:
 و هو قول مالك( ) و الشافعي في الجديد و سفيان الثوري( ) و قول عند الإباضية( )، و احتجوا بوجود علامات الحيض و صفاته و زمن إمكانه.
القول الثاني: إن الحامل لا تحيض:
و أن الحيض و الحمل لا يجتمعان، و أن الدم الذي تراه الحامل هو دم استحاضة لا حيض، أي دم علة و فساد ليس إلا؛ و هذا قول الجمهور: قول الحنفية( )، و الشافعي في القديم( )، و الظاهرية( )، و هو قول ابن المسيب و الحسن و عطاء و محمد بن المنكدر و جابر و عكرمة و جابر بن زيد و الشعبي و مكحول و الزهري و الحكم و حماد و الأوزاعي و أبو يوسف و أبو ثور و أبو عبيد و القاسم و ابن المنذر، قال ابن قدامة: و هو قول جمهور التابعين( )؛ و اعتمدوا على أدلة منها حديث سالم عن أبيه أنه طلق امرأته و هي حائض؛ فسأل عمر النبي ، فقال: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا"( )، فجعل الحمل علما على عدم الحيض كما جعل الطهر علما عليه( ).
القول المختار:
لا شك أن قول الجمهور قوي؛ إذ يتناسب و الدراسات العلمية الدقيقة و الطب الحديث، و أن الدم الذي يظهر أثناء الحمل يرجع إلى الأسباب الآتية:
1. نزيف ينذر بالإجهاض في الشهور الأولى للحمل و قبل الأسبوع الثامن و العشرين.
2. الحمل خارج الرحم، و يكون عادة مصحوبا بآلام بالبطن و هبوط بالضغط، و هي حالة في حاجة للتدخل الجراحي فوراً.
3. الحمل العنقودي، و هو حمل غير طبيعي و يكون عبارة  عن كتل من الخلايا لها قدرة على الانتشار داخل الرحم، و لها خطورة على حياة الأم، و يجب التخلص من هذا الحمل بأسرع ما يمكن حفاظا على صحة الأم كما يجب إجراء الفحوصات باستمرار بعد ذلك.
4. أسباب تعود إلى الجهاز التناسلي و من هذه الأسباب:
• وجود زوائد لحمية بعنق الرحم.
• حصول التهاب في عنق الرحم أو المهبل.
• وجود دوالي في عنق الرحم أو المهبل.
• وجود مشيمة متقدمة.
و تقرر هذه الدراسات استحالة حدوث نزيف في الرحم أثناء فترة الحمل حتى في حالة وجود الرحم ذي القرنين؛ لن الرحم يكون في حالة الحمل واقعا تحت تأثير الهرمونات التي تفرزها المشيمة لاستمرار الحمل، و لا يمكن أن يحدث نزيف إلا إذا حدث إجهاض .
أثر ذلك في العبادات و المعاملات:
و هذا القول الذي قال به الجمهور و أكدته الوسائل الطبية المعاصرة له أثر على العبادات و المعاملات لاسيما الصلاة التي نحن بصددها، و عليه، فلا تعد الحامل حائضا فلا تسقط عنها العبادات من صلاة و صيام و إباحة الجماع.
 
أبيض
 

 

 


المبحث الثاني
أثر التداوي في الصيام

 
أبيض
 
و لعل هذا المبحث من أطول مباحث دراستنا هذه؛ لقوة العلاقة بين الصيام و الوسائل الطبية المعاصرة؛ فنحاول قصارى الجهد التركيز العلمي على الجوانب القوية و المهمة من مسائله و الله ولي التوفيق.
تعريف الصيام:
الصيام في اللغة مأخوذ من مادة "صوم"( ) و هي أصل يدل على إمساك وركود في مكان. و لذلك يقال للصائم صائما لإمساكه عن الطعام
و الشراب و النكاح. و قيل للصامت صائما لإمساكه عن الكلام؛ و منه قوله تعالى: ﮋ ﭛ  ﭜ ﭝ ﭞ    ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﮊ ( ) و كذا قيل للخيل صائمة إذا أمسكت عن السير.
و في الاصطلاح: الإمساك عن الطعام و الشراب و الجماع من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله تعالى.
تعريف المفطرات:
و قد تناولها الفقهاء ضمن مبطلات الصيام و مفسداته؛ فهي إذًا: كل ما يبطل الصيام و يفسده؛ و قد أجمع الفقهاء على أنها: أكل أو شراب
أو جماع( ) أو دم الحيض و النفاس( ).
و بعبارة أبي حامد الغزالي: دخول داخل و خروج خارج و جماع( ).
المفطرات و التداوي بالوسائل الطبية المعاصرة:
و هذا يمكن رصده عبر حالتين:
الأولى: بالداخل إلى الجسم.
الثانية: بالخارج من الجسم.
الفرع الأول: الخارج من الجسم:
نبدأ بالخارج من جسم الصائم؛ لندرة نوازله المعاصرة وفق الآتي:
و النوازل أتصورها في ثلاث حالات:
الأولى: أخذ عينات من الدم لإجراء التحاليل الطبية.
الثانية: التبرع بالدم؛ لغرض طبي.
الثالثة: أخذ عينات من الكبد مثلا.
و أتصور أن الحالة الأولى تابعة للثانية من باب أولى؛ ذلك لأن التبرع بالدم يكون بكمية كبيرة على خلاف مجرد أخذ عينة بسيطة من جراء إجراء التحاليل الطبية حسب طبيعة الأمراض، و كذا تندرج فيها الحالة الثالثة بشروط تذكر في محلها الله أعلم.
تخريج مسألة الخارج من الجسم:
إن مسألة الخارج من الدم بحثها الفقهاء قديما في موضوع "الحجامة"؛
و هي إخراج الدم الفاسد من الجسم؛ و المقصد من الحجامة هو التداوي، و هل لها أثر على الصيام أم لا؟ هذا ما نبحثه في هذا المبحث وفق الآتي:
المذهب الأول: من قال إن الحجامة تُفطر:
و لعل أصحاب هذا الرأي اعتمدوا على حديث صريح في الباب و هو قوله : "أفطر الحاجم و المحجوم"( ). و هذا مذهب الحنابلة و إسحاق و ابن المنذر و أكثر فقهاء الحديث( )، و اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية( ).
المذهب الثاني: من قال إن الحجامة لا تُفطر:
و قد اعتمد أصحاب هذا الرأي على الأدلة الآتية:
 حديث ابن عباس الصريح في الباب قال: "احتجم رسول الله  و هو صائم"( ).
و هذا مذهب الجمهور سلفا و خلفا( )، و عدوا الحديث ناسخا للحديث الأول.
القول المختار:
لا شك أن القول الثاني تسنده أدلة قوية من معين السنة المشرفة؛ فنرجحه وفق الآتي:
1. و يسنده حديث أبي سعيد الخدري  قال: رخص رسول الله  للصائم في الحجامة"( ).
2. و كذا حديث أنس بن مالك  قال: أول ما كرهنا الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم و هو صائم، فمر به النبي  فقال: أفطر هذان، ثم رخص النبي  بالحجامة للصائم و كان أنس يحتجم و هو صائم"( ).
3. و كذا حديث ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله  قال: لا، إلا من أجل الضعف"( ).
4. قال ابن حزم: و لفظة "أرخص" لا تكون إلا بعد النهي، فصح بهذا الخبر نسخ الخبر الأول.
5. و الظاهر من استقراء النصوص في المفطرات هو أن العبرة بالداخل لا بالخارج، فالخارج محصور في دمي الحيض و النفاس، و خروج المني أو من استقاء.
6. و هذا الأنسب لروح التشريع، و الأليق بمقاصد الشريعة، و الأكثر انسجاما مع الحنيفية السمحة و صفة التيسير و الرفق بالناس و رفع الحرج عنهم.
أخذ عينات من الكبد مثلا:
و قد صدر بخصوصه قرار من مجمع الفقه الإسلامي فيما يتعلق بعدم المفطرات و منها نص القرار: " أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل".
الفرع الثاني: الداخل إلى الجسم:
أولا: الداخل عبر الفم:
و الداخل إلى جسد الصائم عبر الفم كثير من الوسائل الطبية المعاصرة كالبخاخ و منظار المعدة و الأقراص التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية، نبحثه في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: بخّاخ الربو:
و الحكم على الشيء فرع من تصوره، فبخاخ الربو علبة فيها دواء سائل يحتوي على ثلاثة عناصر:
1- مواد كيميائية (مستحضرات طبية).
2- ماء.
3- أوكسجين.
و يتم استعماله بأخذ شهيق عميق مع الضغط على البخاخ في نفس الوقت؛ و عندئذ يتطاير الرذاذ و يدخل عن طريق الفم إلى البلعوم الفمي، و منه إلى الرغامي، فالقصبات الهوائية، و لكن يبقى جزء منه في البلعوم الفمي، و قد تدخل كمية قليلة جدا إلى المريء( ).
حكم استعمال البخاخ أثناء الصيام:
و النازلة المتعلقة ببخاخ الربو تنازع فيها قولان:
القول الأول: إن البخاخ يفطر:
و عليه، فلا يجوز تناوله في نهار رمضان قطعا إلا بمقدار الحاجة إليه بالنسبة للمريض، و يقضي ذلك اليوم؛ و الدليل المعول عليه لدى أصحاب هذا الرأي هو أن للبخاخ محتويات تصل إلى المعدة عبر الفم؛ و ما كان يصل إلى الجوف فهو من المفطرات.
و قد قال بهذا الرأي كل من الشيخ محمد المختار السلامي، و الشيخ محمد تقي العثماني، و الشيخ وهبة الزحيلي.. و غيرهم.
القول الثاني: البخاخ لا يفطر:
و المعول عليه في هذا القول هو أن الداخل من البخاخ إلى المريء ثم إلى المعدة قليل جدا؛ و ما كان كذلك، فليس من المفطرات في شي.
و هذا قول كل من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز و فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين و الشيخ عبد الله بن جبرين و الشيخ الصديق الضرير و كذا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء.
القول المختار:
 إننا حين نقلب الأدلة و نفحصها نرجح القول الثاني؛ لأن الداخل من البخاخ يسير جدا، و القاعدة: اليسير مغتفر، كرؤوس الإبر في النجاسة، و قياسا على المتبقي من المضمضة و الاستنشاق، و ابتلاع غبار الطريق، و وصول الروائح المختلفة إلى الداخل لا سيما و أن الأمر ههنا محكوم بالضرورة في التداوي فأخذ المريض باليسر أولى، هذا و أن الداخل بسبب البخاخ غير مقطوع به إذ قد يدخل و قد لا يدخل، و هنا يعمل بدليل الاستصحاب في أن الأصل صحة الصيام، و عدم فساده و أن اليقين لا يزال بمجرد الشك؛ و حين نمعن النظر في البخاخ فهو لا يشبه الأكل و الشرب، و الظاهر طبيا أن نسبة الماء المشكلة بمحتويات البخاخ تتبخر و تصل إلى القصبات الهوائية في معظم الأعم علاوة على أن استعمال سواك الأراك ثبت في السنة المطهرة أثناء الصيام و هو يحتوي على مواد كميائية تصون الأسنان و اللثة من الأمراض و تنحل باللعاب و تدخل البلعوم و لم يكن شيء من ذلك يعد من مبطلات الصيام؛ هذا و قد جاء في صحيح البخاري معلقا عن عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول الله  يستاك و هو صائم ما لا احصي"( ).
المسألة الثانية: منظار المعدة:
و منظار المعدة هو عبارة عن جهاز طبي يدخل عبر الفم إلى البلعوم ثم المريء إلى المعدة؛ و الغرض منه تصوير المعدة لمعرفة ما فيها من التهاب أو قرحة و كذلك لأخذ عينة منها لفحصها..
تخريج المسألة:
و مسألة المنظار تخرج على ما يدخل المعدة هل يفطر بذاته بدون التفات إلى طبيعته المغذية أم لا بد من أن يكون مغذيا حتى يكون مفطرا؟
قال ابن رشد الحفيد: "و سبب اختلافهم في هذه هو قياس المغذي على غير المغذي؛ و ذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي، فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول لم يلحق به المغذي بغير المغذي، و من رأى أنها عبادة غير معقولة، و أن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي و غير المغذي"( ). و عليه يمكن استقراء المسألة من فروع الفقهاء و توزيعها على قولين:
القول الأول: دخول أي شيء للجوف يفطر:
و هذا رأي عامة الفقهاء و قول الجمهور بناء على أن من أدخل أي شيء إلى جوفه أفطر يستوي فيه كونه مغذيا أو غير مغذي، يقبل التحلل أو كان حجرا و حديدا. غير أن الحنفية أضافوا استقراره بحيث لا يبقى طرف منه في الخارج و إلا، لا يعد مستقرا.
و قد اعتمدوا على أدلة منها مفهوم الصيام على أنه الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف و لو كان طينا أو حجرا. و كذا قول ابن عباس : "إنما الفطر مما دخل و ليس مما خرج"( ) و أيضا أمر النبي  باتقاء الكحل من العين إلى الحلق و ليس مغذيا.
القول الثاني: لا يفطر ما دخل المعدة إلا إذا كان طعاما أو شرابا:
و هذا مذهب الحسن بن صالح و بعض المالكية و شيخ الإسلام ابن تيمية( )؛ و اعتمدوا على أن الأكل معروف اعتاد عليه الناس، و لا يدخل فيه أكل الحصاة و الدرهم، و إنما يتعلق أصلا بكل ما هو مطعوم علاوة على أن المقصد من منعه و الإمساك عنه هو شهوة الأكل و الشرب، و قد جعل الطعام و الشراب مفطرا لعلة التقوي و التغذي و ليس لمجرد بلغو الجوف فحسب.
القول المختار:
و نختار القول الثاني؛ لأنه الأيسر على الأمة؛ و له ما يسنده من أدلة بخلاف القول الأول فقد اعتمد على حديث "اتقاء الكحل" و هو ضعيف منكر( )، هذا و أن دخول المنظار إلى المعدة ليس مطعوما و لا من يستعمله يعتبر آكلا أو شاربا، لا لغة و لا عرفا! و هي عملية علاج ليس إلا! و حتى الحنفية الذين اشترطوا الاستقرار فعلى قولهم لا يفطر المنظار؛ لأنه مرتبط بالخارج، فضلا عن أن المنظار جامد لا يغذي بذاته.
و قد اختار هذا القول الجلة من الفقهاء المعاصرين على رأسهم فضيلة الشيخ محمد العثيمين رحمه الله( ).
المسألة الثالثة: الأقراص التي توضع تحت اللسان:
و نقصد بها تلكم الأقراص التي توضع تحت اللسان؛ لعلاج بعض الأزمات القلبية؛ و الذبحة الصدرية و غيرها، و تمتص مباشرة من وضعها و بوقت قصير؛ إذ يحملها الدم إلى القلب، فتوقف أزماته المفاجئة، و لا يدخل شيء منها إلى الجوف.
و بناء على هذا التعريف، الذي ظهر منه أن هذه الأقراص لا يدخل منها شيء إلى الجوف؛ فيكون الحكم بعدم كونها من المفطرات للصائم، فهي تمتص في الفم فقط، علاوة على أنها لا تعد أكلا و لا شربا و لا شيئا في معناهما.
و هذا تماما ما نص عليه قرار المجمع الفقهي و هو يعد ما ليس من المفطرات فذكر: "الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية و غيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق".
المسألة الرابعة: التداوي بما يدخل إلى الجسم عبر الأنف:
و فيه وسائل طبية متنوعة و أدوية كثيرة معبرها الوحيد الأنف؛ منها أنواع من البخاخات و القطرات و الأكسجين و غازات التخدير وفق الآتي:
أولا: بخاخ الأنف:
و الحق أن ما ذكرناه إبان حديثنا عن بخاخ الربو عبر الفم، ينصب ههنا و يشمله الحكم نفسه، و من باب أولى؛ لأن معبر الفم طبيعي و مباشر على عكس معبر الأنف. و قد خلصنا في القول المختار أنه لا يفطر عن شاء الله.
ثانيا: غاز الأكسجين:
و غاز الأكسجين ليس إلا مجرد هواء يعطى لبعض المرضى بحيث إنه لا يحتوي على مواد عالقة أو مغذية بل يذهب معظمه إلى الجهاز التنفسي؛ و بالتالي فإن حكمه لا يعتبر من المفطرات و كل صائم يتنفس الهواء الطبيعي بشكل دائم.
ثالثا: غازات التخذير:
ثمة أنواع من التخذير منها ما يكون عبر الأنف و هو محل بحثنا هنا، و منها ما يكون بواسطة الحقن، و منها التخذير الكلي و منها الموضعي و هلم جرا.
فأما غازات التخذير عبر الأنف فهي أن يشم المريض مادة غازية تؤثر على أعصابه؛ فبواسطتها يحدث التخذير، و يتمكن الطبيب من فحوصاته و إجراء العمليات الصعبة و المؤلمة.
فهذا النوع من التخذير باستعمال هذه الغازات لا نراه مفطرا؛ لأن المادة الغازية المستعملة عبر الأنف ليست جرما و لا مادة مغذية. و هذا الأيسر على الأمة و الأوفق لمقاصد الشريعة.
رابعا: القطرة:
و القطرة العلاجية توضع في الأنف؛ و قد تكون منفذا إلى الحلق؛ بدليل السنة: "و بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"( ) لكن الفقهاء اختلفوا هل القطرة مفطرة أم لا؟ على قولين:
القول الأول: القطرة تفطر:
و قد اعتمدوا على نص الحديث: "و بالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائما" باعتبار الأنف منفذا للحلق، و أن على الصائم أن يتحرز من وضع القطرة في أنفه؛ حتى لا تتسرب إلى حلقه أو معدته. فالقطرة عندهم تفطر إن وجد الصائم طعمها في حلقه أو وصلت إلى معدته.
و هذا قول سماحة الشيخ ابن باز( ) و فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين( ) رحمهما الله و الشيخ محمد المختار السلامي.
القول الثاني: القطرة لا تفطر:
و القطرة تحمل دواء يسيرا جدا، و أن ما يصل منها إلى المعدة قليل جدا، و اليسير مغتفر قياسا على المضمضة و الاستنشاق. و قد اختاره من خبراء المجمع الفقهي الشيخ هيثم الخياط و الشيخ عجيل النشمي( ).
القول المختار:
و نختار القول الثاني؛ لأن اليسير مغتفر و منه المتبقي من المضمضة، و القطرة أقل منه بكثير، و أن القطرة لا تدخل في مسمى الأكل و الشرب لغة أو عرفا و حتى عنصر التقوية و التغذية غير موجود بالقطرة و الله أعلم.
المسألة الخامسة: التداوي بما يدخل للجسم عبر الأذن:
و منه القطرة و غسول الأذن، و قد وقع الخلاف في حكمها للصائم نهارا هل تعد من المفطرات أم لا؟ وفق الآتي:
أولا: قطرة الأذن:
و الخلاف فيها حسب ما يفيدنا الطب الحديث: هل يصل منها شيء إلى الدماغ أو الجوف أم لا؟ و قد ذهب الجمهور إلى كونها من المفطرات إذا وصل شيء منها للجوف و أما إن تحقق عدم وصولها إلى الدماغ أو الحلق فلا بأس. و أما مذهب ابن حزم فقد اختار أنه لا يفطر ما يقطر في الأذن؛ لأنه يصل بالمسام و ليس للدماغ. هذا و قد أكد الطب الحديث أن لا منفذ من الأذن للدماغ أو الجوف اللهم إلا إذا كان خرق في طبلة الأذن. فإن أزيلت طبلة الأذن فإنها تتصل بالبلعوم عن طريق قناة "استاكيوس" و طبعا ستكون كالأنف؛ و قد تحدثنا عن قطرة الأنف و رجحنا أنها غير مفطرة.
ثانيا: غسول الأذن:
و هذا تابع لما سبق، فإن أزيلت طبلة الأذن و استعمل غسول الأذن و كانت كمية الماء كثيرة أفطر لوصول شيء مغذي للجوف عبر القناة التي تصل للبلعوم، أما إن استعملت مواد طبية فليس مغذيا و بالتالي ليس من المفطرات. و أما إن بقيت طبلة الأذن، فلا يفطر شيء من ذلك و الله أعلم.
المسألة السادسة: التداوي بما يدخل الجسم عبر العين:
و ذلك مثل القطرة و ما شابهها حيث توضع في العين، و ناقش الفقهاء قديما و حديثا الموضوع بناء على مسألة الكحل هل يفطر أم لا؟ و هل له منفذ إلى البلعوم أم لا؟ وفق الآتي:
القول الأول: قطرة العين تفطر:
و هذا مذهب المالكية و الحنابلة في أن العين منفذ إلى الحلق مثل الفم و الأنف تماما، فإن اكتحل الصائم و وجد طعمه في حلقه أفطر، و هذا اختيار بعض المعاصرين مثل الشيخ محمد المختار السلامي( ).
و قد اعتمدوا من الأدلة على قياس قطرة العين على الكحل إن وصل إلى الحلق، و قد أكد الطب الحديث منفذا للأنف ثم للبلعوم عبر العين.
القول الثاني: القطرة لا تفطر:
و هذا مذهب الحنفية و الشافعية في أنه لا منفذ بين العين و الدماغ و الجوف؛ و عليه، فما يوضع في العين لا يعتبر من المفطرات، و هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية( )- رحمه الله - و كثير من المعاصرين على رأسهم سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله - و فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - و الشيخ وهبة الزحيلي و غيرهم.
القول المختار:
و لعل القول الثاني هو الراجح؛ لأن ما يصل من العين إلى البلعوم إن أمكن، نزر يسير، و لأن العين ليست منفذا طبيعيا للأكل و الشرب. و أم ما اعتمد فيه على الكحل فهو محل خلاف و الصواب أنه لا يفطر، و هذا الأيسر على الناس و الأوفق لمقاصد الشريعة.
المسألة السابعة: الداخل للجسم بواسطة الحقن العلاجية:
و الحقن الداخلة للجسم بواسطة الحقن العلاجية على أنواع وفق الآتي:
النوع الأول: الحقن الجلدية أو العضلية أو الوريدية:
و الظاهر المتفق عليه عند الفقهاء المعاصرين أنها لا تفطر؛ مثل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز و فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين و الشيخ محمود شلتوت و غيرهم؛ و ذلك لعدم وجود علاقة بين الحقن و المفطرات، فهي حقن علاجية و ينأى بها أن تكون في معنى الأكل و الشرب؛ و هذا ما استقر عليه قرار المجمع الفقهي( ).
النوع الثاني: الحقن الوريدية المغذية:
و الحقن الوريدية المغذية تختلف عن غيرها من الحقن العلاجية التي سبق تناولها؛ فاختلف الفقهاء المعاصرون بصددها على قولين:
القول الأول: إنها تفطر:
و هو رأي عامة الفقهاء المعاصرين؛ لأن الحقن المغذية هي أصلا في حكم الأكل و الشرب و معناهما، و يكتفي الجسم بها و قد يستغني من خلالها عن الأكل و الشرب؛ و هذا اختيار العلامتين ابن باز و ابن عثيمين - رحمهما الله - و هو ما نص عليه قرار المجمع الفقهي( ).
القول الثاني: إنها لا تفطر:
و هذا الرأي بعدم كون الإبر مفطرة مطلقا و إن كانت مغذية، هو رأي الشيخ سيد سابق( )و الشيخ محمود شلتوت( ) و غيرهما، بدليل أن هذه الحقن لم تصل إلى الجوف من المدخل الطبيعي و المعتاد للأكل و الشرب.
القول المختار:
هو قول عامة الفقهاء؛ لتوافقه و مقاصد الشريعة من الصيام و عد المفطرات، و المقصد من الإفطار ما يتقوى به الجسم و يتغذى و هذا حاصل من خلال الحقن الوريدية المغذية باتفاق.
المسألة الثامنة: الدهانات و اللصقات العلاجية:
و هذه الوسائل الطبية المعاصرة مثل الدهانات و المراهم و اللصقات الجلدية العلاجية، توضع على سطح الجلد، و توجد أوعية دموية تحته لها شعيرات تمتصه بشكل بطيء في الدم.
 فالظاهر أن حكمه غير مفطر؛ لأن الدخول يكون بشكل بطيء إلى الدم، و قد بحثنا موضوع الحقن التي تحقن بشكل سريع و مباشر في الدم و مع ذلك لا تعد من المفطرات، ناسب و من باب أولى أن لا تفطر هذه الدهانات و المراهم و اللصقات الجلدية.
المسألة التاسعة: إدخال القسطرة في الشرايين:
و هو عبارة عن أنبوب دقيق في الشرايين للتصوير و العلاج؛ و يندرج ضمن التداوي بالوسائل الطبية المعاصرة.
و حكمه لا يعتبر من المفطرات؛ لأنه لا يدخل المعدة، و لا يعد من الأكل و الشراب لغة و لا عرفا، و لإن كانت الإبر الوريدية غير المغذية لا تفطر فإدخال القسطرة في الشرايين أولى بعدم التفطير منها؛ و هو ما استقر عليه قرار المجمع الفقهي في قراره النهائي( ).
المسألة العاشرة: إدخال منظار البطن:
و هذا المنظار يُدخل عبر فتحة صغيرة في جدار البطن إلى الجوف؛ و ذلك بغرض استئصال المرارة أو الزائدة أو لمجرد التشخيص لبعض الأمراض أو حتى لسحب بعض البيـيضات في عملية التلقيح الصناعي أو لأخذ عينات من الكبد أو غيره و هكذا دواليك.
و حكمه يقاس على الجائفة في التراث الفقهي القديم؛  و الجائفة هي الجرح الذي في البطن، يصل إلى الجوف، إذا وضع فيه الدواء. و قد اختلف الفقهاء حول كونها تفطر أم لا؟ على قولين:
القول الأول: إنها تفطر:
و هو قول الجمهور؛ لأن الدواء أصلا وصل إلى الجوف بكل اختيار فأشبه الأكل، و بنوا الحكم على القاعدة العامة: "كل ما وصل إلى الجوف بفعله، يفطر" و سواء كان في المعدة موضع الطعام و الشراب أو غيره من حشو جوفه، كما اعتمدوا حديث: "و بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"( ).
القول الثاني: إنها لا تفطر:
و هذا مذهب مالك بن أنس الأصبحي( )و أبي يوسف و محمد صاحبي أبي حنيفة، و مذهب أبي ثور و داود( )، و اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية( ).
و أدلتهم أن ما يوضع في الجرح لا يصل إلى محل الطعام قطعا، و لو كان هذا يفطر لبُين في العهد الأول؛ ذلك أن المسلمين كانوا يجرحون في القتال و الجهاد مأمومة أي الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ، و جائفة تصل إلى حشو البطن، و لم يعد في المفطرات.
القول المختار:
و نختار القول الثاني؛ لقوة أدلته، و انسجامه و مقاصد التشريع العامة، و هو الأيسر على الناس طرا، و يبقى أن الجوف هو المعدة، علاوة على أن هذا الدواء في الجائفة لا يصل إلى المعدة بتصريح الأطباء.
و إذا رجحنا القول بعدم التفطير بالجائفة، فمنظار المعدة أهون! أي لا يفطر من باب أولى. و هو تماما ما استقر عليه المجمع الفقهي في دورته العاشرة.
المسألة الحادية عشرة: الغسيل الكلوي:
و صار استعمال جهاز الغسيل الكلوي من الوسائل الطبية المعاصرة؛ فيسحب الدم في هذا الجهاز و يقوم الجهاز بتصفيته من المواد الضارة ثم يعيد الدم إلى الجسم، و فيه وسائل أخرى، و تساءل الفقهاء المعاصرون عن أثره في الصيام؟
لا جرم أن المسألة وقع فيها خلاف بين طرفين و وسط وفق الآتي:
القول الأول: إنه يفطر:
و ذلك على اعتبار أن هذه الوسيلة الطبية المعاصرة تزود الجسم بالدم النقي مصحوبا أحيانا بمواد أخرى مغذية؛ و اختاره العلامة ابن باز
- رحمه الله - و الشيخ وهبة الزحيلي.
القول الثاني: إنه لا يفطر:
و هذا رأي بعض المعاصرين( )، قياسا على الحقن، فضلا عن كون الغسيل الكلوي غير معد في مسمى الأكل و الشرب، و العملية لا تعدو أن تكون استخراجا للدم و إعادته للجسم بعد تنقيته فلا علاقة له بالمفطرات في شيء.
القول الثالث: التفصيل:
و هذا هو القول المختار لدينا؛ لأن عملية الغسيل الكلوي ليست على ترتيب واحد، فإذا كانت لمجرد تنقية الدم من المواد الضارة فيه خالية من المواد المغذية التي يتقوى بها الجسم، فلا نرى حرجا مطلقا و لا أثر لها في صيام المسلم. و أما إن كانت العملية يتخللها إدخال مواد مغذية سكرية و غيرها مما يتقوى به الجسم و يتغذى حقيقة فالظاهر أنها مغذية و قد بحثنا المسألة في الحقن المغذية و ترجح أنها مفطرة.
الفرع الثالث: الداخل للجسم عبر المهبل:
و ذلك مثل الغسول المهبلي و التحاميل "اللبوس" و المنظار المهبلي
و أصبع الفحص الطبي و هلم جرا. فهل يعد شيء من ذلك من المفطرات؟
و الحق أن النازلة الفقهية تناولها الفقهاء الأقدمون ضمن مسألة دخول أي شيء للمهبل و اختلفوا على قولين:
القول الأول: إنها تفطر:
و هذا مذهب الحنفية و الشافعية؛ بناء على قولهم: إن دخول المائع إلى قبل المرأة يفطر( )؛ و عللوا هذا الحكم بأن لمثانة المرأة منفذا للجوف تماما كالإقطار في الأذن.
القول الثاني: إنها لا تفطر:
و هذا مذهب المالكية و الحنابلة؛ بناء على قولهم: إن المرأة إذا قطرت في قبلها مائعا لا تفطر بسببه( )؛ و عللوا هذا الحكم بعدم وجود علاقة بين المهبل و الجوف، أي أن فرج المرأة ليس متصلا بالجوف.
القول المختار:
و نختار القول الثاني؛ لقوة احتجاجه؛ لأن النصوص المتعلقة بالمهبل من حيث التفطير تنصب على الجماع فقط. أما ما علل به الحنفية و الشافعية قولهم بالتفطير فيفنده الطب الحديث في عدم وجود منفذ بين الجهاز التناسلي و الجوف علاوة على أن ما يدخل من المهبل لا يندرج في مسمى الأكل
و الشرب، فذلك كتب الله أن يكون منفذا للجماع و الولادة و الحيض
و النفاس. و أما منفذ الطعام الطبيعي فمعلوم.
و عليه، فالغسول المهبلي ليس مفطرا و كذا تقاس عليه التحاميل
و المنظار المهبلي و إصبع الفحص الطبي و الله أعلم.
الفرع الرابع: الداخل للجسم عبر فتحة الشرج:
و ذلك مثل الحقنة الشرجية و التحاميل (اللبوس) و المنظار الشرجي
و إصبع الفحص الطبي. فهل يعد شيء من ذلك من المفطرات؟
و  تخرج المسألة على ما يصل إلى الجوف و ثمة من غير شك علاقة بين فتحة الشرج و الجهاز الهضمي مثل الأمعاء، فالحقن الشرجية عند بعض الفقهاء مفطرة؛ لما لها من علاقة بالجوف؛ و لن المعتاد كغير المعتاد في الواصل؛ و هذا مذهب الجمهور و الأئمة الأربعة.
و خالفهم بعض المالكية( )، و هو مذهب الظاهرية( )، و اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية( )، و ذلك لأن الحقنة لا تفطر، و أنها لا تصل للمعدة، و قاسوا المسألة على ما لو شم شيئا من المسهلات أو فزع فزعا أوجب استطلاقه.
و قد اختلف المعاصرون في هذه الوسائل الطبية المعاصرة بين كونها مفطرة و غير مفطرة و نختار منها القول بالتفصيل فإن كانت المادة تصل إلى المعاء الدقيقة و تمتصها أو للغليظة و أن الأمعاء الغليظة الماء و بعض الأملاح تكون مفطرة أما إن كانت مجرد دواء خال من الغذاء و الماء فلا بأس و لا تعد من المفطرات.
أما بالنسبة للتحاميل المستعملة لمقاصد العلاج كخفض درجة الحرارة أو التخفيف من الأوجاع و الآلام؛ فحكمها لا ينفك عن الحقن الفرجية،
و كان محل خلاف عند المعاصرين فالظاهر و الله تعالى أعلم عدم تفطيرها؛لاحتوائها على مواد دوائية ليس فيها سوائل علاوة على أنها لا تعد أكلا أو شربا و لا يصل منها للمعدة شيء؛ و اختار هذا الرأي من المعاصرين العلامة محمود شلتوت( ) و الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -.
و أما المنظار الطبي الشرجي و إصبع الفحص الطبي للكشف على الأمعاء و غيرها في مقاصد الطب المعاصر؛ فلا نرى كونه من المفطرات في شيء؛ باعتبار أن الجوف هو المعدة، فإن كان منظار المعدة كما سلف، لا يفطر، و هو يصل إليها، فالمنظار الشرجي و إصبع الفحص أولى بعدم الإفطار، و هما لا يصلان إليها قطعا؛ و هذا الأيسر على الأمة و الأوفق لمقاصد الشريعة و الله أعلم.
الفرع الخامس: الداخل للجسم عبر مجرى البول:
و ذلك مثل إدخال القسطرة أو المنظار أو محلول لغسل المثانة أو مادة تساعد على وضوح الأشعة.
و قد ناقش الفقهاء القدامى الداخل عبر الإحليل مجرى البول لاسيما إذا كان مائعا أو دهنا، و اختلفوا على قولين:
القول الأول: إنه يفطر:
و قال به أبو يوسف أحد صاحبي أبي حنيفة( )، لكنه اشترط وصوله للمثانة، و هو القول المعتمد عند الشافعية( )؛ و دليلهم أن بين المثانة و الجوف منفذا، علاوة على قياسهم مسالك البول على الفم.
القول الثاني: إنه لا يفطر:
و هو رأي الحنفية( ) و المالكية( ) و الحنابلة( )؛ و اعتمدوا خلافا لأصحاب القول الأول عدم وجود منفذ بين الذكر.
القول المختار:
و نختار القول الثاني بعدم التفطير بمجرد التقطير في الإحليل؛ للاعتبارات الآتية:
1. و ذلك لأن الطب الحديث و علم التشريح منه خاصة يؤيد أن لا منفذ بين المثانة و الجهاز الهضمي لاسيما المعدة.
2. هذا، و أن قياس الإحليل على الفم مع وجود الفارق؛ لأمر بسيط هو أن ما يوضع في الفم يصل قطعا للمعدة و يغذي و يتقوى الجسدمنه خلافا لما يوضع في الإحليل من مسالك البول فلا يتغذى منه الجسد البتة.
3. و عليه، فإن وضع ما ذكر من الوسائل الطبية المعاصرة في الإحليل ليس له تأثير على الصيام في شيء؛ و هو تماما ما استقر عليه المجمع الفقهي في دورته العاشرة( ).

 

 

 

 

 

الفصل الثالث
التداوي بالمحرمات

 
أبيض
 
تمهيد:
فمسألة التداوي بالمحرمات من الموضوعات القديمة الحديثة، و لكنها مطروحة اليوم للبحث أكثر من أي وقت مضى؛ لتطور الوسائل الطبية المعاصرة، و التفنن في صناعة الأدوية و الأغذية، و إدخال بعض المواد غير المشروعة ضمن مكوناتها، منها مواد كحولية و نجسة مأخوذة من الحيوانات كالدماء و إنفحة ميتة الحيوان؛ لانعقاد الجبن، و الجيلاتين المتكون من شحم الخنزير، و الميتة و الببسين و المراهم و الكريمات و مواد التجميل التي يدخل في تركيبها شحم الخنزير، و استعمال المخدر لإجراء العمليات الجراحية..و غيرها من القضايا العالقة و التي تحوج الجواب الرصين بمراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية و قواعدها.
 
المبحث الأول
مقدمات بين يدي المحرمات
الفرع الأول:  تعريف المحرمات:
المحرمات لغة جمع محرم، و المحرم هو الممنوع منه، و المنع عن الشيء؛
و هذا يكون حسب الحالات الآتية( ):
• التحريم بتسخير إلاهي، و منه قوله تعالى: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﮊ ( ). فهذا تحريم تسخير.
• التحريم بمنع قهري؛ و منه قوله تعالى:  ﮋ ﭺ   ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ  ﮂ ﮊ ( ). فهذا تحريم من جهة القهر بالمنع.
• التحريم بالشرع؛ و هو بيت القصيد ههنا، فيندرج ضمن الأحكام التكليفية.
تعريف المحرم في الاصطلاح الأصولي:
المحرم أو الحرام هو ما طلب الشارع من المكلف تركه على وجه الحتم
و الإلزام( ).
الفرع الثاني: حكم الحرام:
 يمدح تاركه، و يذم فاعله؛ و المعنى وجوب الترك على المكلف، فإن فعله فإنه يستحق العقاب و الذم من الله تعالى؛ و قد وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم يجتنبون ما حرم، و أن ما حرم عليهم ليس إلا من قبيل الفواحش و المنكرات و المفاسد الضارة بالفرد و المجتمع؛ فقال تعالى:
ﮋ ﮝ ﮞ ﮟ             ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ  ﮊ ( ).
الفرع الثالث: مرادفات المحرم:
و يرادف المحرمَ المحظورُ و المعصيةُ و الذنبُ و الممنوعُ و القبيحُ و السيئةُ
و الفاحشةُ و الإثمُ و المزجورُ عنه و المتوعدُ عليه( ).
 الفرع الرابع: صيغ التحريم و أساليبه:
باستقراء النصوص من الكتاب و السنة نتبين أن صيغ التحريم متنوعة؛ منها ما يلي على وجه الإيجاز:
1. لفظ التحريم و ما اشتق منه؛ و منه قوله تعالى: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ   ﮊ ( ). و قوله: ﮋ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﮊ ( ). و قوله: ﮋ ﮙ ﮚ ﮛ  ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ   ﮥ ﮦ  ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮊ ( ). و قوله : "كل المسلم على المسلم حرام: دمه و ماله و عرضه"( ).
2. صيغة النهي؛ لأن النهي في الأصول يفيد التحريم اللهم إلا إذا اتصلت به قرينة تصرفه إلى الكراهة أو الإباحة. و من ذلك قوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﮊ ( ). و قوله: ﮋ ﯬ ﯭ ﯮ   ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮊ ( ).
3. لفظ "لا يحل"؛ و منه قوله تعالى: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﮊ (( )
و قوله: ﮋ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ    ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ  ﰄ ﰅﰆ ﮊ ( ).
4. لفظ "الاجتناب"؛ و منه قوله تعالىﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ      ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ  ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﮊ ( ). و قوله : "اجتنبوا السبع الموبقات"( ).
5. ترتيب العقوبة على الفعل سواء في الدنيا أم في الآخرة أم فيهما معا؛ منه قوله تعالى: ﮋ ﮓ ﮔ ﮕ  ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ
ﮚ ﮊ ( ). و قوله: ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ    ﮏ  ﮐ ﮑ ﮒ    ﮓ  ﮔ   ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ  ﮟ ﮊ ( ). و قوله : "من بدل دينه فاقتلوه"( ).
6. كل لفظ يعبر عن إنكار الفعل بصيغة مشددة؛ و منه قوله تعالى:
ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ  ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮊ ( ). و قوله : "إياكم
و الجلوس في الطرقات"( ) و قوله : "و الله لا يؤمن - ثلاثا - الذي لا يأمن جاره بوائقه"( ).
الفرع الخامس: مقاصد التحريم:
قال العلامة البيضاوي: "ما نهي عنه شرعا فقبيح، و إلا فحسن كالواجب و المندوب و المباح"( )، و ذلك لوجود الضرر و المفسدة في المحرمات و لا تباح إلا للضرورة القصوى حفظا للكليات الخمس الضرورية: الدين و النفس و العقل و العرض و المال؛ لا سيما حين يُخشى عليها من الضيعة و الفوت و الهلاك. و التحريم الذي شمل بعض المواد ليس إعناتا للمكلفين و لا تضييقا عليهم، و إنما كان محدودا جدا، و بغرض تحقيق مصلحة شرعية قد تظهر و قد تختفي، و المفسدة في الحرام إما راجعة إلى ذات الفعل أو لغيره، كما نوضحه في أقسام المحرم تباعا.
الفرع السادس: أقسام الحرام:
و هو قسمان:
1. الحرام لذاته: و هو ما حرمه الشارع ابتداء و أصالة كأكل الميتة و الدم و الخنزير و اللعب بالقمار و شرب الخمر و الزنا و قتل النفس بغير حق و أكل أموال الناس بالباطل و الزواج بالمحارم و هلم جرا.
2. الحرام لغيره: و هو ما كان مشروعا في أصله فطرأت عليه الحرمة بسبب اقترانه بأمر آخر و مفسدة و ضرر بالناس؛ و منه الصلاة في ثوب مغصوب و البيع وقت الداء لصلاة الجمعة و صوم يومي العيد و زواج المُحلِّل و الصلاة بغير طهارة.
 
المبحث الثاني
قواعد تحكم التحريم و التحليل
• إن التحليل و التحريم حق لله وحده، و ليس حقا للناس
و آحادهم، و بالتالي لا يجوز لأحد أن يتحكم في دولاب الحلال و الحرام على هواه و ذوقه.
و مسألة التحليل و التحريم ليست أمرا جزافيا في متناول كل من هب و دب، و إنما تحكمها مقاصد الشريعة الغراء و قواعدها العامة.
• فالتحليل و التحريم يعتمد على تقصيد الأشياء في حقيقتها لا بمجرد أشكالها و مظاهرها لخبثها و ضررها أو غلبة الضرر على النفع يكون التحريم.
• و إن التحايل على الحرام ليس منهجا قويما بل هو بضاعة غير مشروعة تعود على النصوص بالإبطال.
• و إن الحلال و الحرام لا تنفرد به جهة دون أخرى و لا يرتبط بزمان دون زمان بل الحرام حرام في كل زمان و في كل مكان و على كل الأشخاص.
• و الأصل في المنافع الإذن، و الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم، و الأصل في الأعيان الطهارة و الحل، و الحرام محصور و الحلال غير محصور؛ و ما لم يقم دليل على تحريمه، فإنه يبقى على أصل الإباحة. و عليه، تكون الأعيان من مأكولات و مشروبات و ملبوسات طاهرة و حلالا، إلا أن يدل على حرمتها دليل من الكتاب أو السنة يخرجها من الإباحة إلى الحرمة؛ و ذلك بالدليل الجزئي الخاص؛ و ذلك كله للأدلة الآتية:
1. قوله تعالى: ﮋ ﯬ  ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﮊ ( ). و ذلك أن الله خلق الإنسان و استخلفه في الأرض، و سخر له ما في السماوات و ما في الأرض؛ فاقتضت حكمته و رحمته بعباده أن يكون الأصل حل ما في الأرض من الطيبات و الرزق و أن الحرمة استثناء، حصرتها نصوص قرآنية و حديثية و تبقى المساحة الشاسعة للحلال.
2. قال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ  ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ   ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﮊ ( ). و المعنى أن ما بيّنه الله تعالى و فصله من جهة التحريم فهو محصور جدا، و ما لم يفصل تحريمه فهو في مطلق الحلال. و كذا نلاحظ استعمال أداة الحصر إنما في بيان الأعيان المحرمة في قوله تعالى: ﮋ ﮌ ﮍ  ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ   ﮖ ﮗﮘ ﮊ ( ). لا سيما و أن سياق النص جاء عقب التحليل في قوله تعالى: ﮋ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ  ﮊ ( ) فأفاد النص الإباحة على الإطلاق، علاوة على قوله تعالى:
ﮋ ﮙ ﮚ ﮛ  ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮊ ( ).
3. و قول النبي : "إن أعظم المسلمين جرما من يسأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته"( ). دل الحديث على أن مسألة التحريم محصورة بدليل النص و ليست متروكة لآحاد الناس.
4. و قوله : "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، و حد حدودا فلا تعتدوها، و حرم أشياء فلا تنتهكوها، و سكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"( ). و كان السكوت عن أشياء رحمة بالعباد،
و الأصل فيها الحل و الإباحة، فيكون السؤال و البحث منهيا عنه؛ لأنه يحوم حول حمى التحريم و التشويش على الحلال.
 
المبحث الثالث
ضبط علل التحريم في الطعام أو الشراب
لقد فصل الفقهاء في فروعهم الفقهية أسباب التحريم في المأكول و المشروب و ذِكْر أصناف المحرمات، و أختصر القول في ضبط علل تحريمها وفق ما يلي:
1. النجاسة: فمن باب الرحمة بالعباد و أن التشريع ينسجم و مقتضيات الفطرة التي فطر الله الناس عليها حرم النجس من الطعام و الشراب و المتنجس منهما. و يحرم استعمال النجاسة في البدن و الثوب لا سيما عند إقامة العبادة كالصلاة.
2. الضرر: فكل ما يسفر عن ضرر في بدن الإنسان أو عقله محرم استعماله، مثل المنصوص عليه في أصناف المحرمات المحصورة و كذا المستجدات كالتدخين و بعض المفترات؛ للحديث و القاعدة في آن واحد: "لا ضرر و لا ضرار".
3. الإسكار أو الترقيد و التفتير( ): لما يفضي إليه من إتلاف و تعطيل للعقل مظنة التكليف و الجناية عليه، و قد أجمع علماء الأصول و الفقه على أن الإسكار علة التحريم في الخمر الأصل المنصوص عليه.
4. كون الطعام و الشراب من الخبائث و المستقذرات التي تمجها الطباع السليمة و تستهجنها و تعافها.
5. كون الطعام و الشراب مملوكين للغير و لم يأذن لغيره في أكله و شربه و استعماله.

 
 
المبحث الرابع
هديه  في المنع من التداوي بالمحرمات
و هذه جملة من الأحاديث في الصحاح و السنن تدل ابتداء على أن الأصل في التداوي بالمحرمات الحرمة و هي أحاديث صريحة في عباراتها و دلالاتها نسردها وفق الآتي:
- روى أبو داود بسنده عن أبي الدرداء  قال: قال : "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالمحرم".
- و روى البخاري بسنده عن ابن مسعود مرفوعا: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم "( ).
- وفي السنن عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله  عن الدواء الخبيث "( ).
- و روى مسلم بسنده عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي  عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء! فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء "( ).
- وفي السنن أنه  سئل عن الخمر يجعل في الدواء؟ فقال: " إنها داء وليست بالدواء"( ).
- و روى مسلم بسنده  عن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت: "يا رسول الله، إن بأرضنا أعنابا نعتصرها، فنشرب منها قال: " لا "، فراجعته، قلت: إنا نستشفي للمريض قال إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء "( ).
- وفي سنن النسائي "أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله  فنهاه عن قتلها "( ).
 
المبحث الخامس
بيان قبح التداوي بالمحرمات عقلا؛ و كونه ذريعة لتعاطيه
إن التداوي بالمحرمات أمر مستهجن شرعا كما سلف، و عقلا أيضا؛ لأن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه  لم يحرم على هذه الأمة طيبا نكاية بها أو عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: ﮋ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ  ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﮊ ( )، وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لعلة خبثه و عدم نفعه رحمة بها؛ﮋ ﮈ ﮉ  ﮊ ﮊ وتحريمه له صيانة عن تناوله؛ فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل. والتداوي بالمحرم ذريعة لتعاطيه لا سيما إذا كانت النفوس تشتهيه و تميل إليه،  وعلمت بالعادة أنه جالب لنفعها و لو نسبيا. والذي ينبغي أن يدرك هو أن في التداوي بالمحرم من الأدواء ما لا يعرفه إلا المتخصصون. فإنه وإن أثر في إزالتها، لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب علاوة على أن تحريمه موجب تجنبه والبعد عنه بأي وجه كان، و أن في اتخاذه دواء حضا على الترغيب فيه وملابسته؛ وهذا ضد مقصود الشارع، لأنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء. وأن تناول الحرام يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث؛ لأن الطبيعة تنفعل بكيفية الدواء، فإذا كانت كيفيته خبيثة، اكتسبت الطبيعة منه خبثا، فكيف إذا كان خبيثا في ذاته!؟ ولهذا حرم الله  على عباده كل الأطعمة والأشربة والملابس الخبيثة؛ لآثارها على النفس، وما تضفيه عليها من صفة الخبث. و يبقى للضرورات احكامها و أن حاجات الناس تنزل منزلة الضرورات و الله أعلم.
المبحث السادس
حكم التداوي بالمحرمات
 التداوي بالمواد المسكرة، أو المخدرة، و التداوي بلبس الذهب و الحرير في حق الرجال، و اتخاذ الأدوية النجسة أو الخبيثة، و التداوي بسماع الغناء والمعازف( )، أو بالسم و ما اشتمل عليه، أو نحو ذلك.
بادىء ذي بدء أقر باتفاق الفقهاء على حرمة التداوي بالمحرم مطلقاً إذا لم تدع الضرورة إليه، بأن وجد البديل المباح الذي يغني عنه؛ جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: "اتفق الفقهاء على عدم جواز التداوي بالمحرم
و النجس من حيث الجملة"( )، و أما إذا دعت إليه الضرورة فقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي به على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم جواز التداوي بالمحرمات:
و يستوي في ذلك المطعوم و المشروب؛ و هذا قول المالكية( )و الحنابلة( ) و الشافعية في أحد القولين عندهم( )، وفي وجه عند الحنفية( )و الزيدية( )، و هو قول الجمهور( ). و استدلوا بعامة الأدلة المذكورة في تحريم التداوي بالمحرمات ابتداء و من غير تفصيل.
القول الثاني: جواز التداوي بالمحرمات عند الضرورة:
و بهذا المذهب قالت الظاهرية( )، و هو الصحيح  عند الشافعية في جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر( )، وهو رأي بعض الفقهاء( ).و قد استدلوا بالكتاب و السنة؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﮋ ﭚ ﭛ   ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﮊ ( )؛ و وجه الدلالة من الآية أسقط الحق - سبحانه - تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه، فكل محرم هو عند الضرورة حلال، والتداوي بمنزلة الضرورة، و عليه، فيباح فيه تناول هذه المحرمات؛ للتداوي بها استناداً إلى هذه الآية.
 و أما السنة، فقد روي عن أنس  قال: " إن رهطاً من عرينة أتوا إلى رسول الله  فقالوا: إنا اجتوينا المدينة، وعظمت بطوننا، وارتهست أعضادنا، فأمرهم النبي  أن يلحقوا براعي الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعي الإبل فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم، ثم قتلوا الراعي وساقوا الأبل، فبلغ ذلك النبي  فبعث في طلبهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يُسقون "؛ و وجه الدلالة منه أن رسول الله  رخص لهؤلاء القوم بشرب أبوال الإبل على سبيل التداوي مما أصابهم من مرض، وقد صحت أبدانهم بعد شربه، والتداوي - كما قال ابن حزم - بمنزلة الضرورة التي ترخص في تناول المحرم، ولا يعد تناوله في هذه الحالة محرماً، فإن ما اضطر المرء إليه، هو غير محرم عليه من المأكل والمشرب.
علاوة على أن "أول ما صح من أدلة خصومه بأن المحرمات في حالة الاضطرار إلى التداوي بها تكون مباحة، فلا تكون من الخبائث، فلا يصدق عليها اسم الدواء الخبيث المحرم الممنوع التداوي به" ( ).
القول الثالث: جواز التداوي بالمحرم إذا تعين طريقا للشفاء:
و هذا قول بعض الحنفية( )وبعض الشافعية( )و بعض المالكية( )؛ و قد استدلوا من السنة بحديث إباحة النبي  للعرنيين - كما سبق - بأن يتداووا بأبوال الإبل، و أن النبي  عرف شفاء أولئك بها على الخصوص، ولذا قالوا بجوازه عندما يتعين المحرم طريقا للشفاء، و لا يجد المريض دواء طاهرا يقوم مقام الدواء المحرم، و أن يكون بإخبار الطبيب المسلم العدل.
القول المختار:
و من خلال عرض الآراء بصدد التداوي بالمحرمات و مناقشتها، يظهر أن القول يجواز التداوي بها مع الشروط و الضوابط هو الراجح؛ و به يمكن الجمع بين أحاديث النهي عن التداوي بالمحرم استنادا للقول الأول بأدلته وحججه، و بين حديث العرنيين لأصحاب القول الثاني؛ و ذلك حسب النازلة، و الحاكم فيها مدى وجود الضرورة و الحاجة للدواء و لا سيما إذا تعين و لم يكن في الحلال بدليل عنه أو غنية يغني عما سواه، و ظهر أن هذا النوع من الدواء طريق للشفاء بالعرف و التجربة لا سيما إذا أخبر به طبيب مسلم حاذق و عدل ثقة، و الله الموفق للصواب.
 
المبحث السابع
التداوي بلبس الحرير و الذهب
اتفق الفقهاء على جواز لبس الحرير للرجال لحكة؛ لما روى أنس  أن النبي : "رخص لعبد الرحمن بن عوف و الزبير في القميص الحرير في السفر من حكة كانت بهما"( )، و روى أنس أيضا: "أن عبد الرحمان بن عوف و الزبير شكيا إلى الرسول  القمل فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة"( )، و جاز للمريض قياسا على الحكة و القمل( ).
و اتفق الفقهاء أيضا على جواز اتخاذ الأنف من الذهب؛ لحديث عرفجة بن أسعد  إذ قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي  فاتخذ أنفا من ذهب( ). و قد روى الأثرم عن موسى بن طلحة و أبي جمرة الضبعي و أبي رافع بن ثابت البناني و إسماعيل بن زيد بن ثابت و المغيرة بن عبد الله أنهم شدوا أسنانهم بالذهب، و زاد الشافعية الأنملة.
و عليه، فلا بأس في استعمال الذهب طبقا لتطور الوسائل الطبية المعاصرة؛ و ذلك في شكل حقن لعلاج التهاب المفاصل و في طب الأسنان للحالات الملحة بتلبيس الأسنان و حشوها و شدها ببعض للرجال و النساء؛ لقيام الضرورة الشرعية أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة.
المبحث الثامن
هل الخمر و الكحول و المواد المخدرة نجسة؟
لا شك في تحريم شرب الخمر و استخباث الشرع لها و الأمر باجتنابها، لكن، هل تعد نجسة أم لا؟ فالجمهور على أنها نجسة؛ لقوله تعالى: ﮋ ﭔ ﭕ      ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ  ﭚ ﭛ ﭜ ﮊ ( ) فقوله تعالى: ﮋ ﭙ  ﮊ  يدل على أنها نجسة؛ لأن الرجس في اللغة النجاسة.
و خالفهم في ذلك ربيعة و الليث بن سعد و المزني صاحب الشافعي
و بعض المتأخرين من البغداديين و القرويين، منهم سعيد بن الحداد القيرواني، و قد رجحه من المتأخرين الإمام الصنعاني و العلامة الشوكاني( ) و الشيخ صديق حسن خان( )و من المعاصرين الشيخ محمد رشيد رضا( )
و العلامة محمد الطاهر بن عاشور( )و غيرهم. و قالوا: إنها طاهرة، و إن المحرم إنما هو شربها( )، كالحرير عند مالك؛ محرم مع أنه طاهر( )؛ و أدلتهم قوية:
- منها أن استدلال المخالف بالنص القرآني يُوجّه؛ لنجاسة الخمرة المعنوية و الحكمية و ليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان؛ فهي وصف شرعي من أحكام الإيمان فلا تزال إلا بالإيمان، كما لا يجوز الطهارة إلا بالماء. و هو مناسب لقوله تعالى: ﮋ ﯩ  ﯪ ﯫ ﯬ ﮊ( )
و الرجس هو الشيء القذر، فهي نجسة حكما، و قوله تعالى أيضا:
ﮋ ﭢ ﭣ  ﭤ ﮊ ( ) أي نجاسة الشرك المعنوية لا بدن المشرك.
قوله تعالى: ﮋ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ  ﭾ ﭿ ﮊ ( )
و قوله تعالى: ﮋ ﮇ     ﮈ ﮉ ﮊ   ﮋ ﮌ    ﮍ ﮎ ﮊ( ).
- و لابن عاشور كلام نفيس في التعليق على النص؛ فقال - رحمه الله -: " المراد به ههنا الخبيث في النفوس و اعتبار الشريعة. و اجتناب المذكورات هو اجتناب التلبس بها فيما تقصد له من المفاسد بحسب اختلاف أحوالها، فاجتناب الخمر اجتناب شربها، و الميسر اجتناب التقامر به، و الأنصاب اجتناب الذبح عليها، و الأزلام اجتناب الاستقسام بها و استشارتها، و لا يدخل تحت هذا الاجتناب اجتنابُ مسها أو إراءتها للناس للحاجة إلى ذلك من اعتبار ببعض أحوالها في الاستقطار و نحوه أو لمعرفة صورها أو حفظها كآثار من التاريخ أو ترك الخمر في طور اختمارها لمن عصر العنب لاتخاذه خلا على تفصيل في ذلك و اختلاف في بعضه...و أقول: الذي يقتضيه النظر أن الخمر ليست نجسة العين، و أن مساق الآية بعيد عن قصد نجاسة عينها، و إنما القصد أنها رجس معنوي، و لذلك وصفه بأنه من عمل الشيطان، و بينه بعد بقوله: ﮋ ﭡ ﭢ   ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﮊ( ) (و لأن النجاسة تعتمد الخباثة و القذارة، و ليست الخمر كذلك، و إنما تنزه السلف عن مقاربتها لتقرير كراهيتها في النفوس"( ).
- و ثمة استدلال على طهارة الخمرة بسكبها في طرق المدينة عندما ورد النهي عن شربها، و لو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة. و لنهى  عن سكبها كما نهى عن التخلي في الطرق.
- إن القول بتنجيسها حكم شرعي و لم يرد نص صريح بنجاستها.
- و لا يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا، فكم من محرم في الشرع ليس بنجس؛ و ذلك على غرار قوله تعالى: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ   ﮊ ( ) فلا يسوغ شرعا و لا عقلا القول بنجاسة المذكورات في الآية، بل هو ممتنع باتفاق أهل العلم.
و كذا المواد المخدرة:
أما المواد المخدرة مثل البنج (الشيكران) و المستخرجة من نبات القنب (الحشيشة) و الأفيون و المورفين و جوزة الطيب و ورق الكوكا (الكوكايين) البرش (المركب من الأفيون و البنج) و غيرها؛ فهي طاهرة في أعيانها؛ لطهارة الجماد و منه المواد المخدرة، و لأنها نبات في أصلها و الأصل في النبات الطهارة؛ و قد حكى ابن دقيق العيد و القرافي الإجماع على طهارة المخدرات، و ليس هناك ما يدل على نجاستها، و التحريم أصلا لا يستلزم النجاسة. أما التحريم فهو في تناولها؛ لأنها تفسد كلية العقل؛ لحديث أم سلمة قالت: "نهى رسول الله  عن كل مسكر و مفتّر"( ).
 
المبحث التاسع
استعمال المخدرات المتعينة للتداوي
و يمكن استعمال بعض المخدرات في بعض المعالجات الطبية المتعينة،
و التي دعت إليها الضرورة الشرعية، و الحاجة تنزل منزلة الضرورة، لكن بالمقادير اللازمة من غير زيادة عليها؛ قال العلامة الزركشي: "و بيعها جائز قطعا؛ لأنها قد تنفع لبعض الأمراض، و محله كما هو ظاهر فيما يتعين للتداوي به، و فيما يجوز تناوله من اليسير الذي لا يضر"( ).
 
 
المبحث العاشر
استعمال المخدر للمدمن عند تعينه بشرط التدريج في تنقيصه
سئل ابن حجر المالكي عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون و صار إن لم يأكل منه هلك؟ فأجاب؛ إن علم ذلك قطعا حل له، بل وجب لاضطراره إلى إبقاء روحه، كالميتة للمضطر، و يجب عليه التدريج في تنقيصه شيئاً فشيئاً حتى يزول تولع المعدة به من غير أن تشعر، فإن ترك ذلك فهو آثم فاسق. قال الرملي: و قواعدنا لا تخالفه( ).
قال الشبراملسي: "يجب عليه السعي في إزالة الاحتياج إليه إما باستعمال ضده أو تقليله إلى أن يصير لا يضره تركه"( ).
و تأمل نص بعض الشافعية في الباب؛ قالوا: "لو شم صغير رائحة الخمر و خيف عليه إذا لم يسق منها الهلاك أو مرض يفضي إلى الهلاك جاز، و إلا لم يجز و إن خيف مرض لا يفضي إلى الهلاك لكن بعضهم قال: يكفي - أي للجواز - مجرد مرض تحصل معه مشقة و لاسيما إن غلب امتداده بالطفل"( ).
و هذا يحمل على حالة الاضطرار، أما حالة الاختيار فيحمل عليها قول المانعين، و قد درجت المستشفيات اليوم على علاج المدمنين للمخدرات على ما ذكرنا؛ لما فيه من تحقيق المصالح و دفع المفاسد كالهلاك و الهلوسة.
 
المبحث الحادي عشر
الاستفادة بالمواد المحرمة و النجسة في التراث الفقهي
و قد ناقش الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وصل عظم الإنسان إذا احتاج للوصل بشيء نجس أو محرم؟ و كذلك خياطة الجرح بخيط نجس و دواء بدواء نجس..و نقل عن السبكي: و لو قال أهل الخبرة: إن لحم الآدمي لم ينجبر سريعا إلا بعظم نحو الكلب فيتجه أنه عذر، و تبعه العلامة الخطيب. قال: و لو تعارض نجس غير مغلظ و نجس مغلظ فالظاهر تقديم غير المغلظ مع كونه بطي البريء و كون المغلظ سريعه، و لو وجد عظم الكلب و خنزير فقط قدم عظم الخنزير؛ لأن الكلب أغلظ منه( ). و قال:
و لا يلزم نزعه إذا وجد الطاهر الصالح، و قيده السبكي و غيره إذا خاف ضررا، أما إذا أمن الضرر و وجد الطاهر الصالح قالوا: يجب نزعه( ). و قال الشيخ سليمان الجمل: إذا لم يجد عظما يصلح للجبر به غير عظم الآدمي الميت كما يجوز للمضطر أكل الميتة( ).

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع
أحكام صناعة الأدوية

 
أبيض
 
و هذا الفصل تابع لما قبله و مكمل له؛ لأن صناعة الأدوية و الأحكام المتعلقة بها موضوع يحتوي مشكلة التداوي بالمحظورات الشرعية و الأدوية المركبة من الكحول و النجاسات، و كذا موضوع الاستحالة. و هو من مفردات التداوي بالوسائل الطبية المعاصرة. ترى، فما هي أحكامها من الناحية الشرعية؟
مدخل إلى الانتفاع بالنجاسات المتحولة في صناعة الأدوية:
إن من المشكلات الطبية المعاصرة هذه المركبات في الأغذية و الأدوية و مدى دخول الأعيان النجسة في مكوناتها؛ حيث وجدنا صناعة الأدوية في معظم الأعم تركب أدوية من أعيان نجسة كأجزاء الخنزير و الخمر و الكحول، و كان من سوء الطالع أن الذين طوروا أساليب العلاج علماء و أطباء و خبراء في عالم البيولوجيا من بلاد لم تكن تحكمهم فيها شريعة الله الغراء حتى يرعوها حق رعايتها؛ فأدخلوا فيها السموم و النجاسات و كثيرا من المحرمات! و مع ذلك لم تقف الشريعة التي من خصائصها العالمية و الكونية و الصلاحية لكل زمان و مكان عاجزة أمام هذه التحديات و العقبات ففي نظامنا الاجتهادي أصول مرنة تنم عن مرونة الشريعة و سعتها و استيعابها لكل المستجدات، و تلبيتها لحاجات الناس من غير استثناء بمنطق السماحة و التيسير و الضرورة الشرعية و أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة و نظرية الظروف الطارئة. و قد نقل عن سفيان الثوري قوله: إنما الفقه الرخصة من ثقة، و أما التشديد فيحسنه كل الناس.

المبحث الأول
استخدام الكحول في تحضير الأدوية
و لما كان البحث عن حقيقة الخمر هل هي طاهرة العين أم نجسة؟ ترجح لدينا قوة أدلة القائلين بطهارة عينها. و أما عن كونها رجساً فمن جهة الحكم و المعنوية فقط؛ فبناء على هذا الحكم "فليس هناك حرج شرعاً في استعمال الروائح (الكولونيا)( )التي استخدم الكحول فيها كمذيب للمواد العطرية الطيارة، و كذا استخدام الكحول في الأدوية كمذيب للخلاصات النباتية أو العضوية أو الكيماوية المحضرة أو الحيوانية التي لا تذوب في غيره، و كذا استخدامه كمطهر و قاتل للجراثيم و الميكروبات للجلد أو للحقن قبل استخدامها أو لأماكن الحقن و نحو ذلك؛ نظرا لكونه مادة مطهرة العين، و للحاجة إلى استعماله في تلك المواطن و نحوها"( ).

 
المبحث الثاني
شرب الدواء الذي يحتوي على نسبة ضئيلة من الكحول
يستخدم في صناعة الأدوية السائلة قدر يسير من الكحول الأثيلي؛
و الغرض من إضافته لمواد الصيدلة قصد المعالجة الطبية هو الحفظ أو إذابة بعض المستخلصات النباتية أو الكيميائية المحضرة التي لا تذوب في الماء. و أن الأطباء يصفون للمرضى جرعات قليلة لا تؤدي للسكر بتاتا. ترى فما حكمها شرعا؟
فالأمر هين في المذهب الحنفي؛ بجواز شربها من غير حرج؛ لأصل في المذهب يُحل تناول الأشربة المتخذة من غير العنب و التمر بغرض التقوي و التداوي ما لم يبلغ حد الإسكار( ).
و أما إذا خرجنا عن المذهب الحنفي في هذه الجزئية إلى قول الجمهور بتحريمها سواء كانت من عنب أو تمر أو غيرهما؛ لكن يجوز شرب هذه الأدوية في حالة الاضطرار؛ لحفظ كلية النفس، و باستهلاك مادة الكحول مع دواء آخر، لقول في المذهب الشافعي يجوز التداوي بها إن عرف نفعها بإخبار طبيب ثقة أمين و تعينت بأن لا يغني عنها طاهر( ).
و بهذا صدر قرار المجمع الفقهي بجدة برقم (11) في دورته الثالثة و نصه: "للمريض المسلم تناول الأدوية المشتملة على نسبة من الكحول إذا لم يتيسر دواء خال منها و وصف ذلك الدواء طبيب ثقة أمين في مهنته"( ).
هذا، و أن وجود نسبة من الكحول في المستحضرات الصيدلية ليس بغرض الإسكار و تغييب العقل و الحواس و النشوة الناتجة عن معاقرة الخمرة، و حتى المرضى لا يتعاطونها بغرض اللهو و العبث و ما إلى ذلك.


 
المبحث الثالث
استخدام الكحول في المستحضرات الصيدلانية للأطفال
إن استخدام الكحول في أدوية الأطفال لا يجوز؛ لعدم الحاجة إليه،
و لثبوت ضرره الكبير عليهم قطعاً إن في الحال أو في المآل، و ظهور آثاره الخطيرة على الأطفال و الأجنة( )، و قد أثبتت الأبحاث العلمية أن الكحول يؤثر على نمو المخ و ذكاء الطفل إذا أعطي للأطفال الرضع مع المستحضرات كمسكنات المغص أو المهدئات أو المنومات أو مضادات التشنج، و إذا استخدم الكحول في المستحضرات في أثناء الحمل، فقد يؤثر على صحة الجنين، و قد يسبب له آثارا جانبيا( ). و قد أمكن الطب الحديث بفضل المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية استئصال مادة الكحول من المستحضرات التي تستخدم لعلاج أمراض الأطفال، و استبدالها بمواد أخرى ليست كحولية( ).
و هذا السر في أن منظمة الصحة العالمية قامت بإصدار توصية بمنع استخدام الكحول في مستحضرات الأطفال و الحوامل، و في حالة وجوده في المستحضرات، يجب أن يذكر على العبوة نسبته في المستحضر؛ و لأهمية هذه التوصية، نسوقها فيما يلي:

 
المبحث الرابع
توصية جمعية الصحة العالمية الأربعون( )
إدراكا منها للمخاطر الناجمة عن فرط تعاطي الكحول على صحة الإنسان،
و إذ تلاحظ وجود الكحول في كثير من الأدوية، بما فيها أدوية الأطفال، بتركيزات لا لزوم لها، بل تنطوي على ضرر كامن،
و إذ تدرك التأثيرات الضارة للكحول، و لا سيما في أثناء فترة الحمل،
و نتيجة للتفاعلات المتبادلة التي تحدث عند تعاطي الكحول مع الأدوية في وقت واحد،و إذ تلاحظ وجود قلق متزايد بين الأطباء و الصيادلة إزاء الاستعمال غير الملائم للكحول في الأدوية،و إذ تأخذ في الاعتبار ما أثبته البحث العلمي من إمكانية الاستعاضة عن الكحول في كثير من الأدوية بمواد غير كحولية دون التأثير على فعالية هذه الأدوية.
و إذ تعتقد أن قوائم العقاقير الأساسية الوطنية ينبغي ألا تتضمن العقاقير المحتوية على الكحول إلا عندما يكون الكحول مقوماً أساسياً،
و إذ تأخذ علما بالقرار: ش ب / ل إ 32 / ق 9 بشأن استعمال الكحول في الأدوية الذي اتخذته اللجنة الإقليمية لشرق البحر الأبيض المتوسط في دورتها الثانية و الثلاثين،
تحث الدول الأعضاء على ما يلي:
1. استعراض تسجيل الأدوية المحتوية على الكحول كمقوم فعال بغية الحد من استعماله قدر الإمكان، و خاصة حيثما يمكن الاستعاضة بمادة غير كحولية.
2. العمل على إنقاص تركيز الكحول في الأدوية قدر الإمكان؛ و ذلك في الحالات التي لا يوجد فيها بديل مناسب يمكن إحلاله محله.
3. استعراض المستحضرات الصيدلانية المتوافرة للتحقق من محتوى الكحول فيها.
4. تكثيف الجهود و تشجيع البحث العلمي بهدف إيجاد المستحضرات الصيدلانية البديلة التي لا تحتوي على الكحول و تكون لها نفس الفعالية. أ.هـ
هذا، و قد سعت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية إلى استصدار قرار من مجلس وزراء الصحة العرب  بشأن الموضوع.

 
المبحث الخامس
استعمال المخدر في الجراحة و العلاج
الفرع الأول: تعريف التخدير الطبي:
أدوية التخدير (المبنجات) مواد تحدث التخدير، و هو: حالة من فقدان القدرة على الحس.
الفرع الثاني: أنواع التخدير الطبي:
و التخدير نوعان:
1. التخدير العام: يحث يمتد التخدير إلى كامل الجسم، فيفقد المريض الوعي (غيبوبة) و ترتخي عضلاته و يفقد بالتالي القدرة على الحس بالألم.
2. التخدير الموضعي: حيث ينحصر التخدير بجزء من الجسم و يحتفظ المريض بكامل وعيه( ).
الفرع الثالث: حكم استعماله:
درج كثير من الفقهاء على جواز تناول ما يحجب عقل المريض و يغيبه و يرقده من المخدرات؛ و ذلك لقطع عضو متآكل أو لإجراء عملية جراحية يتوقف إجراؤها على إزالة الحس و الإدراك لغرضين: أولاهما التخفيف على المريض، و ثانيهما ضمان إتمام العملية الجراحية بنجاح.
إن استعمال بعض المستشفيات مثل الإتير لتخدير المريض لإجراء جراحة له، و بعدها يفيق و يعود إلى حالته الطبيعية، هذا الاستعمال يجوز مراعاة لمقتضى الحاجة أو الضرورة. و يجوز استعمال بعض مشتقات الكوكايين كبنج موضعي للأسنان و بعض الجراحات الصغيرة، و كذلك في المراهم و قطرات العين و نقط الأذن و الأقماع لعلاج الأمراض الجلدية و أمراض العيون و الأذن و البواسير. و كذا استعمال المواد المخدرة في وقف الألم المبرح كما في حالات السرطان و المغص الكلوي الحاد و الذبحة الصدرية سواء قبل إجراء العمليات الجراحية أو بعدها لكن بشرط إذا لم يوجد من الأدوية المباحة ما يغني عن المخدر( ).
قال العلامة القرفي: "و يجوز تناول اليسير منها (المخدرات) و هو ما لا يصل إلى التأثير في العقل أو الحواس و يحرم تناول الكثير المؤثر"( ).

 
المبحث السادس
التداوي بما فيه سم
الأصل في السم الحرمة إن كان يؤدي إلى الهلاك و الموت. لكن إن غلبت السلامة من استعماله في الدواء؛ و كان يرجى منه نفع الدواء و نجاعته في اجتثاث المرض، اطرد حكم الإباحة على استعماله و تركيبه في الأدوية؛
و تخرج الفتوى بالجواز ههنا من معين المذاهب الأربعة وفق الآتي:
المذهب الحنفي:
جاء في رد المحتار لابن عابدين: "يجوز بيع الحيات؛ للتداوي"( ).
المذهب المالكي:
قال الزرقاني في تعليقه على الموطأ لمالك: " يباح أكل حية ذكيت بحلقها إن أمن سمها و احتيج لأكلها..و يعتبر أمن سمها بالنسبة لمستعملها، فيجوز أكلها بسمها لمن ينفعه ذلك لمرضه"( ).
المذهب الشافعي:
 ذكر الإمام النووي عن الشافعي قوله: "إن غلب على ظنه أنه يسلم منه، جاز تناوله، و إن غلب على ظنه أنه لا يسلم منه، لم يجز، و نقل فيه قولان"( ).
 
المذهب الحنبلي:
اعتمدوا على تحريم التداوي بالسم؛ لقوله تعالى: ﮋ ﮤ   ﮥ ﮦ ﮧ     ﮨﮩﮊ ( ). و قالوا: إن كان الدواء مسموما و غلبت منه السلامة و رجي نفعه أبيح لدفع ما هو أعظم منه كغيره من الأدوية المسمومة و دفعا لإحدى المفسدتين بأخف منها( ).

 
المبحث السابع
التداوي بالمحرمات المتفاعلة كميائيا تفاعلا كاملا
إن النجاسة و المواد المحرمة إذا مزجت بمواد طبية و تفاعلت معه كمياوياً و نشأ منهما شيء جديد؛ بحيث تغيرت خصائص العين المحرمة و حقيقتها
و صفاتها، كان هذا الشيء الناتج عن هذا التفاعل طاهرا على ما نرجحه في هذا البحث؛ و ذلك لأن المادة الجديدة تحتاج لحكم جديد و هي غير المادة الأولى النجسة؛ و ذلك لكونها أضحت طاهرة العين.
و الأمر نفسه في صناعة الأدوية، كان لزاما على الصيادلة و شركات الأدوية في عالمنا الإسلامي مراعاة تغيير المواد النجسة و إحكام تغييرها بحيث تكون كلية و كاملة بتحول الأعيان النجسة تحولا كليا لا تشوبه شائبة في المنتجات الجديدة حتى تأخذ حكم الاستحالة الكاملة و الكلية. قال العلامة القرطبي: "و أما التداوي بها - أي الخمر - فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها قائمة العين أو محرقة، فإن تغيرت بالإحراق، فقال ابن حبيب: " يجوز التداوي بها و الصلاة"( ). و قال النووي: "و في جواز التبخر بالند المعجون بالخمر وجهان بسبب دخانه أصحهما: جوازه؛ لأنه ليس دخان نفس النجاسة"( ). و حكى ابن تيمية اتفاق أهل العلم في ذلك؛ فقال: "و ذلك أن الله حرم الخبائث التي هي الدم و الميتة و لحم الخنزير و نحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيرهن و استهلكت لم يبق هناك دم و لا ميتة و لا لحم خنزير أصلا كما أن الخمر إذا استهلكت في المائع لم يكن الشارب لها شاربا للخمر، و الخمرة إذا استحالت بنفسها و صارت خلا كانت طاهرة باتفاق العلماء"( ).
و هذا ما استقر عليه عامة المعاصرين؛ فالشيخ عبد الكريم زيدان قال: "و المسكر إذا مزج بالدواء أو كان قليلا و الدواء كثيرا و استحال في هذا الدواء و ذهب أثره لم يكن عندنا في هذه الحالة مسكرا، و إنما دواء طاهر ذاب فيه شيء من المسكر و اضمحل فيه، فيجوز شربه؛ لأن الاستحالة كما تكون يالإحراق و بالطبخ تكون بالمزج بالسائل"( ). و هو ما أفتى به الشيخ شلتوت في الفتاوى( )، و الشيخ عبد الله الطريقي في الاضطرار إلى الأطعمة و الأدوية المحرمة( ) و غيرهم.
و عليه فيمكن بناء على ما ذكرنا صناعة جميع أنواع الصابون و جميع المركبات العطرية و الدوائية التي يدخل في مكوناتها بعض النجاسات بشرط أن تكون الاستحالة تامة، و من ذلك:
1. استخدام غدد الخنزير لاستخراج بعض الأدوية كالأنسولين المستخرج من بنكرياس الخنزير.
2. استخدام الببسين المستخرج من الخنزير لمعالجة اضطراب الهضم عند الإنسان.
3. استخدام الجيلاتين المستخرج من الخنزير في التحاميل و قشور الكبسولات و غيرها من الصناعات الدوائية.
4. استخدام الكحول في تحضير كثير من الأدوية كمذيب لها و ذلك كالأثير الذي يستخدم كمادة مخدرة.

 
المبحث الثامن
التداوي بالمحرمات المختلطة مع غيرها دون التفاعل معها كيماويا
و المسألة في مخالطة المحرمات لشيء من غير تفاعل كيميائي، فالخليط لا يخلو من حالين:
الأولى: أن تظهر أوصاف الشيء المحرم في الخليط الجديد، و عندئد يكون محرما قولا واحدا دون خلاف بين الفقهاء.
الثانية: ألا تظهر أوصاف الشيء المحرم في الخليط الجديد، و في هذه الحالة يكون هذا الخليط الجديد محرما عند جمهور الفقهاء، و حلالا عند ابن تيمية - رحمه الله -؛ لأن حقيقة النجاسة عنده أوصاف قائمة في أعيان( ). و ذلك لأن النجاسة أوصاف قائمة بأعيان مخصوصة، و لا ينجس الشيء إلا بظهور هذه الأوصاف المخصوصة فيه؛ لأن الطيب صار طيبا لصفات قامت فيه، و أن الخبيث صار خبيثا لصفات قامت فيه، و على هذا فغن ملاقاة النجس الشيء الطاهر لا ينجسه إن لم يظهر أثر النجاسة فيه، و على هذا، فإنه إن وقعت فأرة في زيت فماتت فيه، فإن الزيت لا ينجس حتى يتغير بالنجاسة( )، و إن زوال أوصاف النجاسة من الشيء النجس يطهره، و على هذا فإن الزبل النجس لو استحال إلى تراب بفعل الريح و الشمس فقد صار طاهرا( ).
 
لائحة المصادر و المراجع:
1  - إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية.
2  - معجم مقاييس اللغة، ابن فارس.
3  - لسان العرب، لابن منظور.
4  - القاموس المحيط، الفيروز آبادي.
5  - تاج العروس للمرتضى الزبيدي.
6  - المعجم الوسيط.
7  - معجم لغة الفقهاء د. محمد رواس قلعة جي، و د. حامد قنيبي ط دار النفائس، بيروت، 985م.
8  - المعاملات المالية المعاصرة د. محمد عثمان شبير: 11-12، ط دار النفائس 1416هـ.
9  - فقه القضايا الطبية المعاصرة د. علي محيي الدين القره داغي، و د. علي يوسف المحمدي، ط دار البشائر الإسلامية، ط 2 1427هـ 2006م.
10  - مجلة المجمع: عدد:7.
11  - الجامع الصحيح البخاري.
12  - الجامع الصحيح مسلم.
13  - قواعد الأحكام في مصالح الآنام، العز بن عبد السلام.
14  - ندوة جمعية العلوم الطبية الإسلامية في الأردن بتاريخ  جمادى الثانية عام 1421هـ.
15  - القواعد الكلية و الضوابط الفقهية للأستاذ الدكتور محمد عثمان شبير، ط2، 1428هـ 2007م، دار النفائس، الأردن.
16  - الجامع الصحيح، أبو داود.
17  - سنن ابن ماجه.
18  - شرح الكوكب المنير لأحمد الفتوحي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ط 1، 1953م.
19  - التعريفات للجرجاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1985.
20  - سنن النسائي.
21  - صحيح الجامع الصحيح للشيخ الألباني.
22  - زاد المعاد لابن قيم الجوزية، بتحقيق الأرنؤوطين.
23  - البحر الرائق.
24  - المحلى لابن حزم الظاهري.
25  - مجموع الفتاوى لابن تيمية.
26  - فتح القديرلابن الهمام.
27  - مجلة البحوث الإسلامية عدد: 47.
28  - مجلة البحوث الإسلامية عدد: 49.
29  - مصنف عبد الرزاق الصنعاني، ط المكتب الإسلامي بيروت.
30  - بلغة السالك لأقرب المسالك.
31  - الإنصاف للمرداوي، ط دار إحياء التراث العربي.
32  - المغني مع الشرح الكبير ط دار الفكر، 1401هـ 1984 بيروت.
33  - بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية.
34  - جامع الفقه الموسوعة الكاملة لابن القيم.
35  - تيسير الفقه (فقه الصيام)، ط3 مؤسسة الرسالة بيروت، 1414هـ 1993م.
36  - مجموع فتاوى و مقالات متنوعة لسماحة الشيخ بن باز.
37  - فتاوى الحج للنساء لابن باز فتاوى تتعلق بالحج و العمرة و الزيارة من إجابة.
38  - الأحكام الفقهية في الفتاوى النسائية.
39  - الحج في الإسلام محمود محمد الصواف.
40  - مناسك الحج و العمرة عبد الفتاح عفيف طبارة.
41  - فقه السنة لسيد سابق.
42  - أحكام القرآن لابن العرب.
43  - شرح الزرقاني على الموطأ.
44  - حاشية الدسوقي.
45  - المنهل الفائض في حل أشكل قضايا النفساء و الحائض د.حسن يشو.
46  - روضة الطالبين، الإمام النووي.
47  - مغني المحتاج، الخطيب الشربيني.
48  - شرح النيل ليوسف بن أطفيش، ط دار الفتح بيروت.
49  - مشكاة المصابيح.
50  - مسند الإمام أحمد.
51  - دراسات عن الحيض و النفاس، د. نبيهة الجيار.
52  - الحيض و النفاس بين الفقه و الطب عمر سليمان الأشقر.
53  - صحيح ابن خزيمة.
54  - صحيح ابن حبان.
55  - الاستذكار لابن عبد البر.
56  - الوسيط، ط دار الكتب العلمية 1422هـ.
57  - حقيقة الصيام لابن تيمية، ط المكتب الإسلامي.
58  - سنن البيهقي.
59  - بداية المجتهد، ط. مكتبة ابن تيمية، 1415هـ.
60  - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لفخر الدين الزيلعي ط. دار الكتاب الإسلامي.
61  - الفتاوى الهندية، ط دار الفكر.
62  - سنن الدارقطني.
63  - مجلة المجمع الفقهي عدد: 10.
64  - مفطرات الصيام المعاصرة د. أحمد الخليل.
65  - نصب الراية، الزيلعي.
66  - الفروع لابن مفلح.
67  - الشرح الممتع للشيخ العثيمين.
68  - مجوع فتاوى الشيخ ابن باز.
69  - مجوع فتاوى الشيح ابن عثيمين.
70  - فتاوى الشيخ شلتوت.
71  - الشرح الكبير للدردير.
72  - رد المحتار لابن عابدين.
73  - بدائع الصنائع للكاساني.
74  - حاشيتا قليوبي و عميرة.
75  - شرح منتهى الإرادات.
76  - مواهب الجليل للحطاب ط. دار الفكر.
77  - المحلى لابن حزم، ط. دار الفكر.
78  - حقيقة الصيام لابن تيمية، ط المكتب الإسلامي.
79  - المدونة لمالك، ط دار الكتب العلمية.
80  - كشاف القناع للبهوتي، ط. دار الكتب العلمية.
81  - المفردات للراغب الأصفهاني.
82  - المستصفى للغزالي، المطبعة الأميرية بولاق بمصر 1322هـ.
83  - المدخل إلى مذهب أحمد، المطبعة المنيرية بمصر، 1927م.
84  - حاشية البناني على جمع الجوامع، مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.
85  - نهاية السول.
86  - الوجيز في أصول الفقه الإسلامي د. محمد الزحيلي، مطبوعات وزارة الأوقاف دولة قطر، ط2، 2006م.
87  - إرشاد الفحول للشوكاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر 1356هـ 1937م.
88  - الإحكام للآمدي، مؤسسة الحلبي القاهرة 1967م.
89  - أصول الفقه، أبو النور زهير، مطبعة دار التأليف بمصر.
90  - منهاج الوصول إلى علم الأصول:9. طبع بمصر 1326هـ.
91  - الفروق لشهاب الدين القرافي.
92  - معالم السنن للخطابي.
93  - مجمع الزوائد.
94  - الموسوعة الفقهية، ط1، وزارة الأوقاف، الكويت، 1407هـ، 1987م.
95  - أحكام القرآن لابن العربي المعافري، ط دار المعرفة، بيروت.
96  - حاشية الدسوقي، ط عيسى الحلبي القاهرة.
97  - المبسوط للسرخسي، ط مطبعة السعادة بمصر، و دار المعرفة، بيروت.
98  - البحر الزخار، للإمام أحمد بن المرتضى، مؤسسة الرسالة بيروت.
99  - شرح الأزهار لابن المفتاح، مكتبة اليمن الكبرى صنعاء.
100  - نيل الأوطار للشوكاني، ط مصطفى الحلبي، القاهرة.
101  - بحوث فقهية في مسائل طبية معاصرة، أ.د. علي محمد يوسف المحمدي، ط1. دار البشائر االإسلامية، 1426هـ، 2005م.
102  - الفقه الإسلامي و أدلته الشيخ وهبة الزحيلي.
103  - بدائع الصنائع للكاساني، ط دار الكتاب العربي، بيروت.
104  - تفسير القرطبي، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت.
105  - مجموعة بحوث فقهية، د. عبد الكريم زيدان، ط مؤسسة الرسالة، 1976م.
106  - السيل الجرار للشوكاني.
107  - الروضة الندية لصديق حسن خان.
108  - تفسير المنار لمحمد رشيد رضا.
109  - التحرير و التنوير للطاهر بن عاشور.
110  - فتاوى ابن حجر الهيثمي.
111  - نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي.
112  - حاشية الشبراملسي مع نهاية المحتاج.
113  - شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري و حاشية الجمل.
114  - حاشية الجمل على المنهج.
115  - "لباب النقول في طهارة العطور الممزوجة بالكحول" لعيسى الحميري.
116  - رؤية إسلامية لبعض المشكلات الصحية، مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية الإسلام و المشكلات الطبية المعاصرة بدولة الكويت، 1996م.
117  - قرارات و توصيات مجمع الفقه الإسلامي بجدة.
118  - الاضطرار إلى الأطعمة و الأدوية المحرمة، لعبد الله الطريقي.
119  - موسوعة فقه ابن تيمية، ط دار الفيصل 1415هـ الرياض.