الخاتمة
لقد تعرضت في هذا البحث لدراسة موضوع له أهمية فعلية متصلة بالحياة العملية، وهذا الموضوع عنونته " التعويض عن الأضرار البدنية الناشئة عن الأخطاء الطبية".  وقد قسمت هذا البحث إلى أربعة مباحث: تعرضت في المبحث الأول لبيان مفهوم التعويض في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي وذلك في المطلب الأول، وذكرت الأدلة الشرعية والقانونية سواء في مصر أو في فرنسا على مشروعية التعويض أو الضمان على حد تعبير فقهاء الشريعة الإسلامية وذلك في المطلب الثاني.  ثم تناولت في المبحث الثاني الشروط الواجب توافرها لحصول المريض المضرور على حقه في التعويض وبينت موقف الفقه الإسلامي من هذه الشروط خاصةً فيما يتعلق بمدى مسألة الطبيب، وعبء إثبات الخطأ في المجال الطبي وذلك في المطلب الأول، ثم تعرضت لدراسة الضرر كشرط من شروط قيام المسؤلية المدنية للطبيب، وذكرت بأن الضرر لابد وأن يكون مباشراً، وحالاً، ومحققاً، وأن يمس مصلحة أو حقاً ثابتاً مشروعاً بنص القانون.  وتعرضت في المطلب الثالث لبيان مدى أهمية قيام رابطة السببية بين الخطأ والضرر، وذكرت أن تحديد قيام هذه السببية يترك لشعور القاضي مستهدياً في ذلك بالقرائن والدلائل.  ثم ذكرت في المبحث الثالث، والرابع، والخامس الأحكام القانونية التي تعتري الحق في التعويض فبينت وسائل جبر الضرر فتعرضت لدراسة التنفيذ العيني أو بمقابل، وبينت مدي إمكانية تطبيق الإكراه المالي في نطاق المسؤلية الطبية ثم بينت كيفية تقدير التعويض، وعرضت أراء الفقهاء في ذلك، ثم ذكرت أصحاب الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر الطبي، والجهات التي يلجأون إليها للمطالبة بهذا الحق، ثم وضحت العناصر التي ينبغي على القاضي أن يضعها في الاعتبار عند تقديره للتعويض سواء في الفقه الإسلامي أو القانون الوضعي وأشرت إلى خلاف الفقهاء حول وقت تقدير التعويض، ثم بينت حكم التضامن بين الأطباء المسؤلين عن التعويض وشروط هذا التضامن.  وأخيراً تناولت بالدراسة ـ في المبحث السادس ـ مسقطات التعويض سواء تمثلت في تنازل صاحب الحق في التعويض عن حقه، أو مضي فترة زمنية معينة على العلم بحدوث الضرر وهو ما يسمى بالتقادم.  
وفي هذه الخاتمة ينبغي أن نذكر أهم النتائج التي توصلنا إليها من خلال هذا البحث، تمهيداً لعرض ما أرتئيناه من مقترحات وتوصيات في هذا الخصوص فنقول:
أولاً: النتائج. 
1 ـ توصلنا في هذه الدراسة إلى أن القانون الوضعي اعتبر أن الخطأ هو أساس المسؤلية المدنية للطبيب، طالما توافرت عناصر الخطأ من انحراف في السلوك وإدراك للتصرف.  أما الشريعة الإسلامية فقد أقامت المسؤلية المدنية للطبيب على أساس التعدي، وهو أعم من الخطأ، لأنه يشمل العمد، والخطأ, فضلاً عن أنهم ينظرون إلى أن العلاقة الطبية علاقة بين ذمتين لا بين ذاتين. 
2 ـ أن تقدير التعويض عن الضرر يجب أن يقدر تقديرًا كاملاً يكفي لجبر كل الأضرار التي لحقت بالمضرور دون زيادة ولا نقصان سواء كانت أضرارًا مادية كتلك التي تصيب الجسم أو المال، أو كانت أضرارًا أدبية.
3 ـ أن العبرة في تقدير التعويض هو يوم صدور الحكم القضائي سواء اشتد الضرر أم خف عما كان عليه يوم وقوعه.
4 ـ أن القانون الوضعي أعطى الحق للمضرور بالمطالبة في إعادة النظر في تقدير التعويض في حالة تغير قيمة الضرر وفقاً لما وصل إليه ذلك الضرر الجديد باعتبار أنه لم يتناوله الحكم السابق، وذلك تحقيقاً لمبدأ العدالة في تقدير التعويض بقدر الضرر الحاصل، وإن كان الفقه الإسلامي والقضاء لم يجيزا للمضرور المطالبة بإعادة النظر في تقدير التعويض.
5 ـ أن سلطة القاضي في القانون الوضعي تكاد تكون مطلقة في تقدير التعويض بحيث يتوقف ذلك على اجتهاده، أما الفقه الإسلامي فلم يخول القاضي مثل هذه السلطة باعتبار أن الشريعة الإسلامية قد حددت مقادير كل شيء وإنما يكون اجتهاد القاضي في بعض الأضرار التي لم يرد بشأنها مثل تلك التقديرات.
6ـ كما توصلنا إلى أنه في حالة تقدير التعويض عن الأضرار التي تصيب الجسم يتم علاج هذه الأضرار من خلال قواعد موحدة، فيجب على المدين الذي يخل بالتزامه التعاقدي التعويض عن الضرر المباشر ما لم يرتكب غشًّا أو خطأ جسيماً فيجب عليه التعويض عن كل الضرر المباشر المتوقع وغير المتوقع كالمسئولية التقصيرية. 
ثانياً: المقترحات وتوصيات.
1ـ نحن بحاجة ماسة إلى قانون واضح للمسألة الطبية يحدد لنا بالضبط الجهة المختصة التي يستطيع المريض المتضرر اللجوء إليها حتى يكون بالإمكان حماية العملية العلاجية من جميع جوانبها (الطبيب والمريض).
2ـ نطالب الجهات المختصة في مصر بأن تولي الفصل في قضايا التعويض جُلَّ اهتمامها، لأن طول أمد التقاضي أمام المحاكم القضائية يجعل المريض المضرور يقبل أقل تقدير للتعويض.
3ـ نقترح أن تكون الجهة التي تفصل وتقدر التعويض جهة قضائية متخصصة؟ لأنها الأجدر من غيرها في تحقيق العدالة اللازمة لكل من المسئول عن الضرر والمضرور.  حيث يدور البحث في تقدير التعويض عن أمور قانونية متشعبة، يعجز غير القانوني الفصل فيها من حيث القانون الواجب التطبيق، ومقدار التعويض عن الضرر، وهل تقدير التعويض يحتاج إلى إشراك جهة فنية أم لا؟، وطريقة دفع التعويض على شكل أقساط أم جملة واحدة أو في صورة رد الشيء إلى أصله، أو غير ذلك من الأمور التي يعجز غير القانوني بحثها أو على الأقل تكون تحت الإشراف المباشر للقضاء.
4ـ نناشد المقنن المقارن وحكومته خصوصاً في الدول العربية والإسلامية أن يضعا في اعتبارهما عند سن قانون للتعويض عن الإصابات التي يتعرض لها المضرور، بنفس نظام تعويض المضرور الموجود في الشريعة الإسلامية؟ لأنها ـ بما ترتكز عليه ـ أساسا من قرآن وسنة، بها نظام مُحكم لهذا الموضوع، فالقرآن منزل من عند الله تبارك وتعإلى وهو أعلم بما يحقق مصالح العباد مطلقاً، كذلك السنة النبوية المطهرة فهي مكملة أو مفسرة أو مقررة لما ورد في القرآن الكريم.  والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا ينطق عن الهوى، فإن أي مقنن يحذوا حذوا الشريعة الإسلامية الغراء في تقديره لتعويض المضرور بالدية والأرش وحكومة العدل عن الإصابات الجسدية دون بخس أو هضم للإنسان، فإنه تقنينه ـ بلا شك ـ سيكون موافقاً للصواب.
وأخيراً أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى القائمين على شئون هذا المؤتمر الذين تفضلوا بتوجيه الدعوة لي للمشاركة في أحد محاور المؤتمر " الأثار المترتبة على الخطأ الطبي" وقد آثرت البحث في واحد من هذه الآثار وهو موضوع "التعويض عن الأضرار البدنية الناشئة عن الأخطاء الطبية".  سائلاً المولى عز وجل أن يكون هذا المؤتمر ملتقى خير يجمع بين شخصيات فكرية وعلمية يعالج هموم الأمة ويعتني بقضاياها ويضع الحلول والرؤى لها حتى تستطيع الأمة أن تجتاز أزمتها وتكون في المقدمة كما كانت. . .
الفقير إلى عفو ربه المنان
عاشور عبد الرحمن أحمد محمد
 
 
المراجــــع
أولاً: باللغة العربية.
  المعجم الوسيط، إصدار مجمع اللغة العربية، ط2، القاهرة 1392هـ 1972م، جـ 2.
  لسان العرب لابن منظور، جـ 19.  القاموس المحيط, لمجد الدين محمد بن يعقوب الفروزبادي، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع جـ4.
  القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي المتوفى سنة 817هـ ط/دار الجيل بيروت.
  البدائع, ج7، الطبعة الأولى.
  الأم للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204هـ دار المعرفة بيروت/6/166.
  الإختيار جـ 2 ص 232 لعبد الله بن محمود الموصلي، المتوفى سنة 683هـ مطبعة البيئة العامة المطابع الاميرية بالقاهرة سنة 1403هـ. 
  الهدايـة شرح بداية المبتدي، لشيخ الإسلام برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الراشداني المرغيناني، المتوفى سنة 953هـ مطبعة البابي الحلبي، طبعة أخيرة.
 أعلام الموقعين عن رب العالمين, لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، المعروف بابن القيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ، مراجعة وتعليق طه عبد الرازق سعد، مكتبة الكليات الأزهرية 1388هـ 1968م.
 زاد المعاد في هي خير العباد لابن القيم الجوزية،سنة 1405هـ جـ 2.
 الرسالة للإمام الشافعي, مطبعة البابي الحلبي, 1358هـ.
 المغني, موفق الدين بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي, المتوفى سنة 630هـ مطبعة المنار, 1367هـ, ج6.
 الوجيز في فقه الإمام الشافعي، لحجة الاسلام أبي حامد الغزالي، ط دار المعرفة بيروت 1399هـ ـ1979 م جـ 1.
 الدر المختار شرح تنوير الأبصار للإمام علاء الدين محمد بن علي بن محمد بن عبد الرحيم الحصكفي الحنفي المتوفى سنة 1088هـ, وهو مطبوع بهامش مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر. , ج4.
 رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار (حاشية بن عابدين) لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحيم الشهير بابن عابدين المتوفى سنة 1252هـ ط/ مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة الثالثة 1404هـ  ـ 1984, ج5.
 التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العدوي الشهير بالمواق المتوفى سنة 897هـ ط/دار الفكر الطبعة الثانية 1412هـ  ـ  1992م.  ج6.
 بلغة السالك لأقرب المسالك.  للشيخ أحمد بن محمد الصاوي المالكي الخلوتي المتوفى سنة 1241هـ ط/ عيسى البابي الحلبي  وهو مطبوع بهامش الشرح الصغير.
 نهاية المحتاج. إلى شرح المنهاج, لشمس الدين محمد بن أبي العباس الشهير بالشافعي الصغير المتوفى سنة 1004هـ ط/دار الفكر الطبعة الأخيرة, 1404هـ ـ 1984م,.  ج4. 
   د.  محمد أحمد سراج.  ضمان العدوان في الفقه الإسلامي.  1410هـ 1990م.
 محمود عبد المتجلي خليفة.  ضمان المتلفات في الفقه الإسلامي.  رسالة دكتوراة، مكتبة كلية الشريعة والقانون بطنطا.
 د.  مصطفى الزرقا، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد ـ المدخل الفقهي العام ـ ط10 1387هـ جـ 2.
 الشيخ علي الخفيف.  الضمان في الفقه الإسلامي، المطبعة الفنية الحديثة، 1971.
 د.  محمد سلام مدكور.  المدخل للفقه الإسلامي, مكتبة عبد الله وهبة القاهرة.  ط 1.  1954م.
 شرح مجلة الأحكام العدلية, لسليم بن رستم باز اللبناني, ط2, المطبعة الأدبية بيروت 1898م.
 د.  السنهوري.  الوسيط في شرح القانون المدني, دار النهضة العربية القاهرة 1964.
 د.  السنهوري.  الموجز في النظرية العامة للالتزامات.  المجمع العلمي العربي الإسلامي, بيروت.
 د.  محمد عبد الله النشار.  حق التعويض المدني بين الفقه الإسلامي والقانوني الوضعي.  2002, دار الجامعة الجديدة للنشر.
 د.  إسماعيل غانم.  النظرية العامة للالتزام.  المطبعة العالمية.  1956, جـ2.
 د.  سليمان مرقص.  المسؤلية المدنية في تقنينات البلاد العربية, مطبعة الجبلاوي, 1971م جـ 1.
 د.  محمود جمال الدين زكي.  مشكلات المسؤلية المدنية.  مطبعة جامعة القاهرة 1978 جـ1.
  د.  أسامة قايد.  المسؤلية الجنائية للأطباء، 1990 القاهرة، دار النهضة العربية. 
 د.  محمد حسين منصور.  المسؤلية الطبية, رسالة دكتوراة، منشأة المعارف بالاسكندرية
 د.  جابر محجوب علي, دور الإرادة في العمل الطبي, دار النهضة العربية القاهرة, 1996.
 ـ د.  محمد الشهراني.  أحكام المسؤلية الجنائية عن أخطاء الأطباء وتطبيقاتها، رسالة 1993,، الرياض.
 د.  محمد فائق الجوهري.  المسؤلية الطبية في قانون العقربات, رسالة دكتوراة كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول 1952.
  د.  جميل الشرقاوي.  مصادر الالتزام.  المطبعة العربية الحديثة, 1976. 
 د.  منصور عمر المعايطة.  المسؤلية المدنية والجنائية في الأخطاء الطبية.  الرياض 1425هـ ـ 2004م الطبعة الأولى.
 ـ المستشار.  منير رياض حنا.  الخطأ الطبي الجراحي, الطبعة الأولى 2008, دار الفكر الجامعي.
 د.  سهير منتصر.  المسؤلية المدنية عن التجارب الطبية في ضوء قواعد المسؤلية المدنية للأطباء.  دار النهضة العربية.
 د.  محمد حسن قاسم.  إثبات الخطأ في المجال الطبي.  2006، دار الجامعة الجديدة.
 المحامي.  منير قزمان.  التعويض المدني في ضوء الفقه والقضاء, 2006 دار الفكر الجامعي.
 د.  محمد فاروق بدر العكام.  الفعل الموجب للضمان في الفقه الإسلامي، رسالة دكتوراة.  سنة 1397هـ ـ 1977م.  ص427.
 مجموعة أحكام النقض السنة 13 رقم 106، محموعة أحكام النقض السنة 11 رقم 2.
 النقض في المواد المدنية والتجارية لحامد باشا فهمي والدكتور محمد حامد فهمي.
 مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض في المواد المدنية، إعداد محمود عمر.
 مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، إصدار وزارة العدل.
 القانون المدني.  الطبعة التاسعة، المطابع الأميرية، 2004.
 الائحة التنفيذية لمزاولة مهنة الطب في المملكة العربية السعوية الصادرة بالمرسوم الملكي رقم م /3 لسنة 1409هـ.
ثانياً: المراجع باللغة الأجنبية.
BIBLIOGRAPHIE
Domat(J).  Les lois civiles dans leurs orders naturels.  1745 livre II.  Lalou (H): La responsabilité civile Paris 1955. 
Mazeaud (H et L): Traité théorique et partique de la responsabilité civile délicelle et contactuelle.  T. 1,6ed,T. 2,5ed,T. 3,ed. 1965. 
Planiol: Traité élémentaire de droit civil.  t. II.  3e ed, 1919.  4e ed.  1952.  par polanger. 
Savatier (R).  Traité ds la résponsabilité civile، 2e ed.  T2, 1951. Cass. civil. f. 15/6/1943/ Dalloz. sirey. 1944
ثالثاً: مواقع إنترنت.
http://ar. jurispedia. org
http://www. startimes2. com/f. aspx

 

 

السابق   -   التالي