رأي الخبير
وأثره في توصيف النازلة والحكم الشرعي
" استخدام الجيلاتين مثلاً"

إعـــداد
د.أسامة بن عبدالرحمن الخميس
أستاذ مساعد بكلية الطب  -  جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية


 
ملخص البحث:
إن المتأمل لحياة المسلمين في هذا العصر يجد أنها امتلأت بالجديد الذي ليس له سابقة في حياة من قبلهم، وبما أنهم يطلبون رضى الشارع عنهم فإنهم ما فتئوا يسألون أهل العلم عما يحل ويحرم حتى يكونوا بمفازة من عذاب الله وعلى قرب من رضاه. وقد اضطلع الفقهاء بهذه المهمة وقاموا بها خير قيام. وقد كان هدف هذا البحث هو استجلاء دور الخبير في فهم النازلة ومدى وجود التكامل المعرفي في الحكم على النوازل المستجدة وكان اختيار مسألة الجيلاتين الخنزيري لتبيين دور الخبير في فهم النازلة وأثره من بعد في الحكم عليها، وهذا ما اتضح من وجود الخلاف المبني على رأي الخبراء المستشارين في هذه القضية تحديداً في تطبيق مبدأ الاستحالة أو تغير الماهية. ولذا كانت التوصيات تؤكد دور الخبير وفعالية رأيه وتوصي بالعناية في اختياره واستشارة أكثر من خبير في المسألة الواحدة، كما وجد الباحث أن القول بعدم جواز استخدام الجيلاتين الخنزيري أقرب إلى الصواب من غيره.

  

مدخل:
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه ودربه، وبعد
فإن شمس الإسلام حينما أشرقت، كان شروقها على قومٍ يأكلون الميتة ويشربون الدم والخمر ويتنادون بالمنكر، وعما قليل خشعت أبصارهم ودانت بصائرهم لنور هذه الشمس فاستقذروا الميتة والدم واهراقوا دنان الخمر، وابتغوا من المآكل أطيبها، ومن المشارب أحلها وأحلاها، فإن الله عز وجل إمتن عليهم بقوله:   .
وأصبحوا لا يأكلون إلا مما ذكر اسم الله وكان حلالاً طيباً، وما أن بدأت الفتوحات حتى خالطوا أقواماً وأمماً لهم من المآكل والمشارب ما لم يعرفوه من قبل وأضحى الذي كان يأكل الميتة ويشرب الدم يسأل عن الجبن إذا كانت أنفحته من ميتة أو في بلد مجوس وبعضهم تورع عن أكله تطييباً لمأكله ومشربه، فيا لله ما أعظم هذا الدين حين تخالط مبادئه القلوب تجعلها تخبت لعلام الغيوب.
ومع تعاقب الأزمان وكر الدهور والأيام ما فتئ الناس تستجد لهم أمور وتنزل بهم نوازل يستفزعون منها-بعد الله-بأهل العلم طلباً لحكم الشرع فيما يحل ويحرم مما استجد عليهم في أمور حياتهم، ومع تقدم الحياة وتيسر أسباب المعيشة فيها وازدهار الصناعات في العصر الحديث زادت المسائل وفرة وكثرت النوازل وتتابعت حتى أضحى الفقيه والعالم مهما بلغ شأوه لا يستطيع الاستقلال في النظر دون رأي يعاضده من إخوانه أهل العلم، وبرزت أيضاً الحاجة إلى أهل الاختصاص في العلوم الأخرى التي لها سبب وثيق بالنازلة. فأصبحنا نرى الطبيب والصيدلي وعالم التغذية والمهندس وفئام غيرهم يستدعون إلى المجامع الفقهية ليطرحوا أراءهم ويبينوا عن مرئياتهم؛ ليفهم أهل العلم الفقهاء النازلة على وجهها، فيكون الحكم الشرعي أقرب ما يكون بإذن الله إلى  الصواب.
وأخذ رأي الخبراء في تاريخ الفقه الإسلامي سنة متبعة وطريق لاحب، وفي هذا المقالة محاولة لمعالجة رأي الخبير وأثره في فهم النازلة والحكم الشرعي حسب النقاط التالية:
1- من هو الخبير؟ وما شروطه؟ وهل يكفي رأي الخبير الواحد؟
2- ما هو الجيلاتين؟ وما استخداماته؟
3- رأي الفقهاء المعاصرين في استخدام الجيلاتين اعتماداً على قول الخبير.
4- استحالة النجاسة وانطباقها على المسألة المثال.
5- ماذا يلزم المريض حيال الرأي المعتمد؟
6- التوصيات.
 
أ / من هو الخبير؟
لا ريب أن سؤال أهل الخبرة هو من سؤال أهل الذكر في تلك المسائل، وغني عن القول أن الحكم الفقهي لنازلة ما مناط بفهمها على الوجه الصحيح، ولا يتأتى هذا الفهم إلا بسؤال أهل الاختصاص بالنازلة محل البحث أطباء كانوا أو مهندسين أو غيرهم، وهو نوع من التكامل المعرفي في فهم المستجدات فلا يصحّ إفتاء ولا حكم من غير تصوّر لحقيقة النازلة المستجدة، ولذا كان على الفقيه الناظر فـي المسألة المستجدة أن يبدأ بتصوّر حقيقتها تصوّراً كاملاً شاملاً لا يدع جانباً من جوانبها مما يؤثّر على صدق الحكم عليها إلا وعرفه.
وهذا أحد الفهمين اللازمين للحكم على النازلة يقول ابن القيم-رحمه الله-:"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والإمارات والعلامات حتى يحيط به علماً، والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً..." وهذا ما يعرف لدى الأصوليين بتحقيق المناط. والفقهاء فـي هذا العصر لجئوا إلى أهل التخصص من خبراء المجال الذي وقعت فـيه النازلة ليصوّروا لهم تلك المستجدات في غير ما قضية كأطفال الأنابيب، والتلقيح الصناعي، وإثبات الأهلة، والبطاقات الائتمانية وغيرها.
والخبرة غالباً ما يتم نقاشها ضمن وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي فأهل القيافة في إثبات النسب، وأهل الطب في الجراحات وسراياتها، وأهل البناء في المباني وموادها، وهلم جراً. وهذا وإن كان يستعان به في الحكم القضائي أو الفتيا فإن الحكم الفقهي أعم وأشمل، وهاهنا إلماحة يسيرة إلى مسألة الخبرة والخبير وإشارة ٌ في المضامين إلى العلاقة بموضوع المقالة.
الخبرة لغةً: مصدرٌ من خبرت الرجل أَخبرُهُ خِبراً وخبرةً، ويطلق في اللغة على عدة معان أقربها إلى المعنى المراد هو: العلم بالشيء، فيقال: خبرت الأمر أي علمته، وخبر الأمر أخبره إذا عرفته على حقيقته، ويقال: من أين خبرت هذا الأمر؟ أي من أين علمت، والله تعالى الخبير أي العالم بكل شيء، وقال تعالى:         .
وثاني المعاني المرادة هو الاختبار، فتقول: خَبَرتُ الرجل أَخبرُهُ خِبراً وخُبرة وخِبرة بالكسر بلاه كاختبره، وذلك لأن الخبير إنما يبني علمه بالشيء على تجربة الأمور واختبارها، أما في الاصطلاح فقد عرفت بعدة تعاريف يمكن التوفيق بينها بأنها: "المعرفة ببواطن فن من الفنون".
والخبير هو:" كل شخص له دراية خاصة بمسألة من المسائل في علم من العلوم"، وللفقهاء استعمالات لبعض الألفاظ مرادفة للخبرة فيقولون أهل العلم في فن من الفنون أي أهل الخبرة به أو أهل المعرفة أو أهل التجربة
أو أهل البصيرة أو أهل الحذق.
ب-اختيار الخبير:
لما كان قول الخبير ورأيه له أعظم الأثر في فهم النازلة فيبنى عليه أحكام وعبادات وحقوق كان لا بد من معرفة الأسس والمقاييس التي يعرف بها الخبير في مجال ما، ويعرف ذلك بإحدى طريقين:
الأولى: الشهادة، وذلك بأن يشهد أهل الخبرة أو أهل الفن بأن هذا الخبير له من المعرفة بالعلم الذي هو موضوع النازلة ما يجعله مؤهلاً لإبداء الرأي واستجلاء الوضع. وبعيدٌ عن هذا أن يستغنى بالشهادات مهما علت عن تزكية العدول والموثوق برأيهم.
الثانية: الشهرة، وهي: الاستفاضة لدى الناس وأهل العلم بكونه خبيراً كحصوله على جوائز علمية عالمية ونتاج علمي مميز واستفاضة لدى الخلق بإتقانه.
ولا يغني عن هذا شهرة إعلامية لا يدرى صدقها من كذبها فكم صدر الإعلام من خبير ليس له في علمه شرو نقير أو حبة من شعير.

  التالي