المبحث الرابع
التدابير الوقائية والعلاجية لمواجهة الأخطاء الطبية
إن من المصلحة العامة إعطاء الحماية للطبيب في ممارسة مهنته، حتى يستطيع أن يمارسها بصورة أفضل وفي أجواء مطمئنة؛ لأن الطبيب لا يمكنه أن يمارس مهنته باطمئنان وبتجويد وهو يعلم بأن مهنته تعرضه للمسؤولية والمحاسبة خاصة المالية منها.
عليه؛ فمن الواجب مراعاة خصوصية مهنة الطب وتشجيع ممارسيها ومنحهم الحماية اللازمة، وفي الوقت نفسه حماية المريض أو ورثة المتوفى في حال ثبوت الخطأ الطبي عن جهل أو إهمال أو تقصير أو تعدٍ في مطالبتهم بالتعويض الشرعي المسمى بالضمان أو الدية أو الأرش، على أن يتم ذلك بواسطة لجنة طبية حكومية تابعة لوزارة الصحة مثلاً وذلك لضمان استقلاليتها ومِهْنِيَّتِها( )، ولبيان التدابير الوقائية والعلاجية، أجعل ذلك في مطلبين:
 
 
المطلب الأول
التدابير الوقائية لمواجهة الأخطاء الطبية
1-الحصول على شهادة علمية من جامعة معترف بها في علم الطب، أو شهادة اختصاص في فرع من فروعه.
2-أخذ الإذن من الجهات الرسمية بمزاولة المهنة بعد إجراء الاختبارات اللازمة لبيان كفاءته وحذقه، ولا يسمح لغير المختص أن يطبب خارج اختصاصه، فإن فعل ذلك يعرض نفسه لسحب الترخيص منه، مثل قيام طبيب الأسنان بالتعدي على اختصاصي الجراحة العامة بأن يختن في عيادته الأطفال( ).
3-توفير الدولة والمؤسسات الخاصة للأجهزة الطبية الحديثة ومواكبة التطورات العلمية بعقد الدورات التدريبية والتعليمية للمستجدات الطبية ليعمل بها الأطباء ويجاروا العصر وتطوره ولا يكونوا مقصرين في مزاولة مهنتهم.
4-ربط الأطباء بخالقهم -سبحانه وتعالى- ورقابتهم له كي يقوموا بأعمالهم كما يحب الله ويرضى، فلا يهملوا في علاج مريض أو يقصروا فيه.
5-تدريس مقرر شرعي يُُعنى بالقضايا الطبية المعاصرة وأخلاقيات مهنة الطب وأحكامها الشرعية، كي يتخرج الطالب وعنده الخلفية العلمية والشرعية في مواجهة المسائل الطبية عامة والأخطاء الطبية خاصة، وعنده العلم بأمراض القلوب وأمراض الأبدان، فإن الطبيب الذي يقتصر في طبه على علاج الأبدان دون علاج القلوب والأرواح طبيب قاصر كما ذكر ابن القيم.
 
المطلب الثاني
التدابير العلاجية لمواجهة الأخطاء الطبية
ذكرنا أن موجبات الأخطاء الطبية هي الاعتداء والتقصير والجهل والخطأ، ولكل موجب أثره من حيث القصاص أو الضمان، فإذا وقع الخطأ الطبي ولم نستطع توقيه فكيف نعالجه؟
الأصل: أن الخطأ الطبي إذا وقع عن تعمد أو جهل من الطبيب فإن الطبيب هو الضامن الوحيد لخطئه، فإذا عفا المريض أو وورثته عن القصاص في حال التعمد والاعتداء وطالبوا بالدية، أو كان الخطأ ناتجاً عن جهل المريض فإن العاقلة لا تتحمل ضمان خطئه قلّ أو كثر، فالعاقلة لا تتحمل العمد اتفاقاً، كما أنها لا تتحمل خطأ الطبيب الجاهل كما وجدناه عند الإمام مالك وهذا رأي وجيه؛ لأنه هجم بفعله على إتلاف الأنفس.
أما ما قرره عامة الفقهاء في تحمل العاقلة لجناية الطبيب الناتجة عن تقصير وخطأ، فهل هذا ممكن تطبيقه في هذا العصر؟
بينا أن عاقلة الجاني هم عصباته من عشيرته، أي الذين يتصلون به نسباً بمحض الذكورة، فلا يدخل فيها الإخوة لأم ولا الزوج، ولا ذوو الأرحام، ويدخل هو في جملتهم فيحمل من الدية كأحدهم، ولا يكلَّف فيها النساء ولا الفقراء ولا الصبيان ولا المجانين شيئاً.
وتحميل الدية على العاقلة هي استثناء من القاعدة الشرعية "ألا تزر وازرة وزر أخرى"( )، لصيانة الحقوق ومعاونة المخطئ في العبء المالي الذي يلزمه فالدية ليست عقوبة محضة بل فيها معنى التعويض، فلو تحملها الجاني وحده لأبهظته، فإن ثروة الفرد غالباً قد تضيق عن مقدار الدية الواحدة التي هي في الأصل مئة من الإبل.
فإن لم يكن للجاني عاقلة أو كانت فقيرة أو عددها قليلاً لا يكفي لتحمل الدية فقد وجدنا بعض الفقهاء؛ كابن القيم يرى أن يقوم بيت المال مقام العاقلة( )، فالمقصود إذن التعويض، فبأي طريقة تحقق كان به، فليس تحمل العاقلة للعبء المالي مسألة تعبدية غير معقولة المعنى، بل هو معقول المعنى المقصود منه جبر النقص أو التلف الحاصل جراء جناية الجاني.
وفي معرض حديث ابن القيم عن خطأ الطبيب الحاذق وأن فعله مضمون على العاقلة إذا كان زائداً عن الثلث، قال: «فإن لم يكن عاقلة، فهل تكون الدية في ماله؟ أو في بيت المال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد»( ).
لكن نظام العاقلة مع ما فيه من عدالة إلا أنه لا يمكن تطبيقه في عصرنا الحاضر في وقت ضعفت فيه الروابط العشائرية في كثير من بلاد المسلمين، ولا يوجد أي إلزام قانوني -فيما أعلم- يلزم العاقلة إن وجدت بتحمل الديات كما هو مقرر شرعاً، كما أن تحميل خزينة الدولة للديات فيه إرهاق كبير لها( ).
إذن لابد من إيجاد آلية لمواجهة الأخطاء الطبية بعد وقوعها وعلاج آثارها، إذا لم يمكن تفعيل دور العاقلة أو لم تكن، ومن ذلك:
1-تأليف لجان طبية شرعية من قبل وزارة الصحة مكونة من خبراء في الفقه والطب، مهمتها التحقيق في أخطاء الممارسات الطبية، وإبداء الرأي الفني والشرعي فيها، وتحديد المسؤوليات، وأن توضع القوانين التي تنظم عمل هذه اللجنة والعقوبات التي تترتب على كل خطأ أو تقصير أو إهمال، كما يحسن تأليف لجنة مماثلة في كل مستشفى أو مؤسسة صحية مهمتها الإشراف على أداء العاملين من أطباء وممرضين وفنيين( ).
2-في حالة ثبوت الخطأ الطبي فإن هناك عدة طرق يمكن بها تعويض المتضرر مثل:
أ) نظام التسوية الودية عن طريق الوصول إلى حل وسط بين المريض المتضرر والطبيب المقصر، وحل المشكلة داخليا دون اللجوء إلى القضاء.
ب) نظام التأمين الإلزامي على المستشفيات والأطباء للتعويض عن الأضرار التي تلحق المرضى جراء الأخطاء الطبية، ويكون هذا التأمين موافقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وبهذا يحصل المريض على التعويض المناسب دون إثقال كاهل الأطباء والمؤسسات الصحية.
ج) إنشاء صندوق التضامن الوطني بمساهمة أثرياء الوطن وبدعم من الدولة للتعويض عن الأخطاء الطبية( ).
د) أن تخصص نقابات الأطباء جزء من اشتراكات منتسبيها للتعويض عن الأخطاء الطبية، وهذا ما ذكره المالكية في بيان العاقلة التي تحمل الدية فذكروا العصبة وأهل الديوان وهم من تدوَّن أسماء منتسبيه في دفتر خاص تجمعهم مهنة واحدة كديوان الجند( )، فلا بأس إذن من اعتبار منتسبي نقابة الأطباء عاقلين عن أخطاء زملائهم( ).

 

السابق   -   التالي