تمهيد
تقتضي أسطقسات الصناعة( )العلمية عند النظار من أرباب المعرفة؛ والحجى البدء ببناء التصور الإضافي( )" المصطلحات"؛ ويلي ذلك تكوين المفهوم اللقبي"التصديقات" ( )؛ حيث المصطلح هو العلم؛ والحكم علي الشئ فرع عن تصوره. وهذا يحدد قيمة الورقة البحثية بقيمة إشكالها أساساً و موقعاً وحجماً وأهمية، فلا  أطروحة جيدة بغير إشكال جيد،.. وإن الإشكال الذي لا ينبع من العوائق والمنغصات الحقيقية هو إشكال وهمي والبحث المبني عليه إذن لاغٍ( )، فالإشكال لا يدرس إلا بقصد بناء المفهوم( )وهو موطن الأفكار.
 
المبحث الأول:
أولاً: تعريف الخطأ:
 لغة: نقيض( )الصواب مطلقاً، وهو الدفع عن الحق؛ وهو الذهاب عنه( )؛ والخطأ بمعنى  يدل على تعدي الشئ والذهاب عنه والمجاوزة حد الصواب( ).
و هو بمعنى الغلط( )؛ كما في التنزيل: ﮋ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ  ﮬﮊ( )قال صاحب اللسان" عداه بالباء؛ لأنه في معنى عثرتم أو غلطتم"؛ ويفهم من ذلك أنه يأتي لمعان بحسب التعدية؛  فيأتي بمعنى الذنب والإثم؛ كـ: خطئ في دينه؛ إذا أثم فيه( )؛ وهذا باعتبار الأثر والنتيجة.
أما بالنسبة لمدى توفر عمل القلب (العمد أو القصد) في الخطأ فهو على ضربين:
- قال صاحب اللسان:" الخَطَأ ما لم يتعمد... ويقال لمن أراد( )شيئاً ففعل غيره أو فعل غير الصواب: أخطأ. وفي حديث الكسوف: (فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه) ( )، أي غلط"( ) ولهذا الخطأ: وقوع الشئ على غير إرادة فاعله.
- كما يقال لمن قصد الخطأ: خطئ؛ واستدلوا:
أ –  في التنزيل العزيز: ﮋ ﭧ  ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ          ﭮ ﮊ( )فيقال لمن أذنب أو تعمد الذنب( ).
ب – وقوله ﮋ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ   ﯩ ﯪ ﯫ ﮊ  ( )فيقال لمن تعمد الخطأ.
ج- بحديث الكسوف: (فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه) ( )  فكأن الرسول   في استعجاله غلط فأخد درع بعض نسائه عوض ردائه( ). ولهذا يقال: لمن أراد شيئاً فعل غيره أو فعل غير الصواب: أخطأ( )
وذهب كل من صاحب النهاية والمصباح إلى اتجاه ثالث  أن الخطأ عمداً أو سهواً( )؛ جمعاً بين القولين ولهذا كان:         
" المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ من تعمد لما لا ينبغي"( ) فاعتبر جانب القصد في الحالين إلا أن المحمول مختلف في القضيتين؛ فالقصد الأول منصرف إلى فعل الصواب؛ والقصد الثاني منصرف إلى تعمد الخطأ.
 وقد استشعر شيخ الإسلام – رحمه الله – بضبط هذا المسألة فقال:" فلفظ الخطأ أو أخطأ عند الإطلاق يتناول غير العامد وإذا ذكر مع النسيان أو ذكر في مقابلة العامد كان نصاً فيه، وقد يراد به مع القرينة العمد أو العمد والخطأ جميعاً، كما في قراءة ابن عامر في الحديث الالهي – إن كان لفظه كما يرويه عامة المحدثين – تُخطئون بالضم...
والصحابة والأئمة الأربعة – رضي الله عنهم – وجمهور السلف يطلقون لفظ الخطأ على غير العمد وإن لم يكن إثماً" ( )
اصطلاحاً: أرجح أن يعرف الخطأ بأنه: فعل يصدر من الإنسان بقصد ناقص( ).
ثانياً: تعريف الطبيب
 لغة: يستعمل الطاء، والباء  لمعانٍ منها( ):
 المعنى الحقيقي:  علاج الجسم والنفس: طّبَّه طباً إذا دواه؛ والحذق في الأشياء والمهارة فيها.
 استعمال الأضداد:  بمعنى سحر( )فيقال: فلان مطبوب أي مسحور؛ وهذا من باب اطلاق الضد وهو أسلوب عربي.
 استعمال مجازي:  مثل: ما ذاك بطبي أي بشأني، وعادتي.
 استعمال نادر: بمعنى نية الإنسان وإرادته كما في قول الشاعر:
إن يكن طِبُّك َ الفِراق فإن البَـ يْنَ أن تعطفي صدور الجمال
والمعنى المتعلق بالبحث هو المعنى الحقيقي؛ بالإضافة إلى الاستعمال النادر الذي يتعلق بقصد الإنسان؛ للعلاقة بينه وبين القصد في الخطأ.
اصطلاحاً:" علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح، ويزول عن الصحة ليحفظ الصحة حاصلة ويستردها زائلة"( )
  خطأ الطبيب:
 أرجح أن يعرف خطأ الطبيب بأنه: فعل يصدر من المعالج بقصد ناقص يسبب ضرراً( ). وأصدر في هذا الترجيح من كون التعريف؛ لبيان الماهية وإظهار الحقيقة وذلك إما بتكونه من الذاتيات أي العناصر المكونة للمعرف إن كان حداً، وإما بالعرضيات أي الصفات المميزة مع الذاتيات للمعرف المعطية تصوراً واضحاً عنه إن كان رسماً، وفي نظري أن هذا التعريف يحقق الغرض من التعاريف، ويعطي تصوراً واضحاً منه.
شرح التعريف:
فعل: بمعنى الحدث وهو الهيئة العارضة للمؤثر في غيره بسبب التأثير( )؛ و هو  يشمل الفعل الصريح، و القول و " والتروك بالمقاصد"( )،  و العزم المصمم ( )؛ وهو ذاتي للخطأ داخل في كيانه، و لا يمكن تصوره بدونه، وهذا هو المقصود بالذاتي.
 يصدر من المعالج: معنى اللغوي للطبيب؛  مصدر الفعل؛ وأل جنسية استغراقية فسواء كان المعالج جمع؛ كما في الشخصية المعنوية كمسؤولية المستشفيات اتجاه موظفيها؛  أم فرادى فهو يحقق المعنى؛ و يفهم من التعريف أن محور الحديث عن الطبيب الكامل الأهلية مهنياً علمياً وطبياً( ).  وقد اعتمدت التعريفات القانونية بذكر  الطبيب في المعرف الخطأ الطبي أو خطأ الطبيب وهذا يلزم منه الدور( )؛ وهو باطل؛ لأنه يلزم من تقدم الشئ على نفسه.
بقصد: العزم والنية؛ عند طلب الشئ وإتيانه؛ وتوفر القصد في الخطأ محل نظر واجتهاد كما تقدم؛  إلا أن الراجح – والله أعلم -  هو توفر القصد الناقص في الخطأ وذلك لخلو الخطأ من أضداد( )المقاصد( )؛ ولتعلق الخطأ بالفعل الاختياري( ).
ناقص:  يعتري القصد عارض (ضعف الإرادة)  مناط الخطأ الطبي؛ وذلك من تمام قصد الفعل بقصد محله وآثاره  وفي الخطأ يوجد قصد الفعل أو المحل دون قصد الأثر المترتب عنهما؛ وهذا مراد من قال:"أنه فعل يصدر بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواه "( ) و يخرج هذا القيد الغفلة( )والنسيان( )؛ ولذا عدا الخطأ من العوارض المكتسبة ـ كما سيأتي ـ 
يسبب ضرراً: ينتج عن ذلك مفسدة بالآخرين؛ وبمعنى آخر لو وجد الخطأ بدون الضرر فينعدم أثر خطأ الطبيب( ).
وما كان هذا الاطناب والتوضيح إلا ما يميز التعريفات في نطاق العلوم الاجتماعية والقانونية سمة عدم التجانس وعدم الترابط( )؛ وتفتقد لكثير من الصناعة الحدية؛ بل هذه المعرفة ليست ذي بال في كتبهم و قوانينهم( )؛ ولا أدل على ذلك من تصدير معظم التعاريف القانونية للخطأ بذكر الاخلال أو التقصير وهي في حقيقة أمرها ترجمة لما عليه القانونيين الغربيين إلى حدهم بأثر الخطأ؛ وهذا التعريف تعريف بالأثر والرسم؛ وليس تعريف بالماهية؛ اقتباساً من تعريف القانون الغربي  للمسؤولية القانونية .
• سبب العدول عن  (الخطأ الطبي) إلى (خطأ الطبيب)  
 بعد التدقيق والتحقيق؛ استخدمت مصطلح خطأ الطبيب للموجهات التالية:
 شاع استخدام مصطلح الخطأ الطبي، للإشارة إلى ذلك الخطأ الذي يؤدي ثبوته إلى انعقاد مسؤولية الطبيب، أو المسؤولية الطبية. واستعمال خطأ الطبيب أدق، وهو أكثر دلالة على المعنى المقصود من التعبير الأول الشائع. فتعبير الخطأ الطبي، قد يفهم منه مباشرة إنه ذلك الخطأ المرتبط بالأعمال الطبية فقط، بصرف النظر عن صفة مرتكب الخطأ وأهليته؛  أما تعبير خطأ الطبيب، فيركز الاهتمام على مرتكب الخطأ، ويفيد مباشرة أن الخطأ ينسب إلى شخص بمقتضى صفته كطبيب. ولذلك فإنه يعد في رأينا أكثر دلالة وشمولاً للمعنى المقصود من تعبير الخطأ الطبي.
 من المقرر شرعاً" إذا بني الحكم على مشتق؛ فإنه يؤذن بعليّة ما منه الاشتقاق" أو:" كل ترجمة تنصب على باب من أبواب الشريعة، فالمشتق منها صريح بلا خلاف"( ). بمعنى أن مناط الحكم دائر على  خطأ الطبيب فكل ما اشتق من الطب يعتبر داخل في هذا الحكم سواء طبيب أو طبيبة أو جمع من الأطباء أو غيرهم.
 الخطأ عارض من عوارض الأهلية المكتسبة؛ وهذه العوارض هي بمصطلح أدق موانع مؤقتة:
  أ - إما مانع من توجيه دفع أصل التكليف (دفع أصل الوجوب)  كما في الصبي؛ المجنون.. ( ).
ب-وإما هي موانع من رفع  أصل الطلب (رفع وجوب الأداء) ( )كما في الحائض والنفساء.
" دراسة تأصيلية"
 نعت مسمى هذا السفر بكونه (دراسة)؛ ولاغرو فإن ذلك نهج الدرس القرآني ﮋ ﮂ    ﮃ ﮄ ﮅ             ﮆ ﮇ     ﮈ ﮉ           ﮊ ﮊ( )؛ والدراسة بمعنى القراءة والمعاهدة للمقروء والتفهم.
 ولا تأتي هذه الدراسة أُكلها إلا من جانب الرباني: الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره( )؛ وهو (التأصيل) في الطرح العلمي الذي آمل تحقيقه في المنهج العلمي المتبع في هذه الورقات.

 

السابق   -   التالي