أهلية الطبيب
وأهميتها في السلامة من الأخطاء الطبية

إعـــداد
الدكتور / عبد القادر جعفر جعفر
أستاذ بمركز غرداية الجامعي / الجزائر
باحث في الشريعة والاقتصاد الإسلامي

 


 

 
الـمـلـخـص

يعرض البحثُ إلى ظاهرة الأخطاء الطبِّية التي تفاقم خطرُها، وأضحت تتطلب علاجا حاسما، يجب أن يشارك فيه كل ذي صلة بالعمل الطبي.
ويعدِّد أسبابها، فيجد معظمها ناتجا عن تقصير الطبيب، وتفريطه، واستعجاله، وغفلته، وقلَّة دِينه، وسوء خلقه، وطمَعه في المال الوفير. وذلك دليل على نقص في أهليته اللازمة لهذه المهنة، أو عدم تكاملها؛ إذ بمقدار كمال الأهلية تقل الأخطاء، وبنقصها تزداد وتتكرر.
ويبيّن بأنّ تأهيل الطبيب تأهيلاً متكاملاً، شاملاً، هو الكفيل بإعداد طبيب مثالي، وأن جوانبها هي: الجانب العلمي؛ إذ العلم قبل العمل، والجانب السلوكي؛ إذ به توظَّف المعلومات توظيفا حسناً نافعاً، والجانب الدِّيني والخُلُقي؛ إذ به تَسْلَم المقاصد، ويستقيم السلوك على طاعة الله ورسوله، ويقوَى الوازع الدِّيني والخُلُقي المقوِّم للعلم والسلوك.
ويؤكِّد على ضرورة أن يكون ذلك التأهيل شاملاً لمرحلة اختيار الطالب لدراسة الطب، ومتابعته أثناءها، وتقويم مسيرته فيها، وعند تخرّجه، وكذلك عند توظيفه، وخلال فترة تجربته، ثم أثناء مباشرته العمل وتثبيته، وأن يُوضَع من المقاييس العلمية والسلوكية والخُلُقية ما يتوافق مع شرف مهنة الطب ومقاصدها، ومع تطوراتها الحديثة الدقيقة والمعقدة، على أنْ يُختارَ الأمثلُ علما وسلوكا ودِينا وخُلُقا، في كل المراحل؛ أداءً للأمانة.
ويقف البحث عند أهمِّية التشديد في تضمين الطبيب، في غير حالة الخطأ المحض؟ لأنَّه السبيل إلى تفعيل تلك الأهلية المشروطة في الطبيب، فمن لم يمنعه عن الخطأ أهليتُه منعَهُ الردع والعقاب؛ فإنَّ الله ليَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن.
ويصل إلى أنّ الرجوع إلى أحكام الشريعة وقواعدها، وتراثنا في الفقه والسياسة الشرعية، من خلال اجتهادات علمائنا في مجال الطب وغيره، كفيل بأن يضبط العمل الطبي وممارستَه بحيث يؤدِّي مقاصده في جلب المصلحة للمريض ودفع المضرة عنه بقدر الإمكان، رغم تقدُّم الطبِّ تقدُّماً ملحوظاً في العصر الحديث، دراسة وبحثا وممارسة، تشخيصا وعلاجاً وجراحة.
ويضع جملة من التوصيات والمقترحات تتمحور حول ضرورة استمرار الطبيب في تعلُّم ما استجد من الطب وفنونه، وتطوير مقاييس اختيار المتقدِّمين لمهنة الطب، دراسة وممارسة، لتُراعى النواحي السلوكية والدِّينية والخُلُقية في كل ذلك، ورفع كفاءة الطبيب المسلم الطبية بإمداده بمنظومة أخلاقية وروحية تساعده على بذل أقصي الجهد في القيام بدوره المرجو منه، تعبدا لله تعالى وخدمة لمجتمعه.


 
مقدّمة:
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله. اللهم صلّ وسلِّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، وعلى التَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين. آمين.
أما بعد:
فإنّ الصِّحَّة من أكبر النِّعم الدُّنيوية التي أكرم الله  بها الإنسان؛ لأنَّ الصحيح في جسمه وعقله يستطيع أن يؤدِّيَ واجباتِه الدِّينيةَ والدُّنيويةَ على أتمّ وجه. أمَّا المريض فإنَّه عاجز عن أدائها بقدر اعتلال صحته( ).
وقد خلق الله الإنسان سالماً من الأمراض قال  : ﮋ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ   ﮊ( ).
وإذا ما اختل نظام الجسم بسبب العوامل والمؤثّرات الخارجة عن نظام تكوينه، الذي خلقه الله ؛ فإنه حينئذ يمرض، والأمراض أنواع كثيرة( ).
وكل من المريض والمصاب يحتاج إلى العلاج من خلال الطبيب، والممرِّض، والمشفى وما يحويه من آلات وأجهزة؛ ولهذا كان الطبُّ، علما وممارسة، من فروض الكفاية( )، نظرا لكونه من ضروريات الحياة؛ إذ عامة الناس بحاجة إليه( )، فهو الذي يحفظ أبدانهم ويدفع عنها المرض والأسقام؛ وفي هذا يقول الإمام الشافعي  : (صنعتان لا غنى للناس عنهما: العلماء لأديانهم والأطباء لأبدانهم)(  ).
أهمية الموضوع:
يتفق الفقهاء والأطباء، قديما وحديثا، على وجوب أن يكون العمل الطبي سليما غيرَ مُختلٍّ، نافعا غير ضارٍّ، وأنه يشترط لذلك التأهيل العلمي، والتدريب العملي اللازمين للطبيب ومساعديه، مع ما يجب أن يكونوا عليه من أخلاق فاضلة.
وإذا كان الطبيب المسلم قد لا يجترئ في الغالب على تعمّد الإضرار بالمريض، فما أكثر الأضرار التي يتسبَّب فيها بتقصيره، وتفريطه، واستعجاله، ونسيانه، وخطئه، وقلَِّة دِينه، وسوء خُلُقه، وكل ذلك دليل على نقص في أهليته لهذه المهنة، وبمقدار كمال هذه الأهلية تقلُّ الأخطاء، وبنقصها تزداد وتتكرَّر.
فللأخطاء الطبية إذن أسباب كثيرة، ودرجات متفاوتة، وهي ذات صلة وثيقة بأهلية الطبيب، كما أن آثارا دنيوية وأخروية تترتَّب عليها.
وعليه فإنَّ الأسئلة المطروحة هي:
- ما هي أبرز أسباب الأخطاء الطبية؟
-  ما هي الأهلية المطلوبة في الطبيب لدراسة الطب وممارسته؟ وما هي أنواعها؟
-  ما دور أهلية الطبيب في السلامة منها بقدر الإمكان؟
-  ما هي التدابير التي من شأنها أن تفعِّل هذه الأهلية فتجعلها مثمرة في سلامة الطبيب من الأخطاء؟
فهدف البحث هو الوقوف على طبيعة أهلية الطبيب المطلوبة، ومدى أهميتها في السلامة من الأخطاء.
وبعد تتبُّعي لما توفر لدي من الدِّراسات المتعلقة بالطب، علما وتاريخا وممارسة وما يترتَّب عليها من آثار، لم أجد من خصَّ الموضوع بالدراسة، فرأيتُ تناولَه مستعينا بالله تعالى.
ولقد سلكت فيه مسلك الوصف مع التحليل رغبة في الوصول إلى المعالجة الجذرية لمشكلة أخطاء الطبيب التي بات يخشاها كل مريض حين قدومه إلى الطبيب للكشف والعلاج، وأخطر من ذلك للعملية الجراحية.
خطة البحث:
ولقد قسَّمت البحث  ـ  عدا المقدمة والخاتمة  ـ  إلى ثلاثة مباحث، وهي:
المبحث الأول: وفيه بيان للأضرار التي تقع من الطبيب، وطرقها، وأسبابها، وأمثلتها، مع التركيز على الخطأ الطبي في كل ذلك.
المبحث الثاني: وفيه بيان لأنواع الأهلية اللازمة لدراسة الطب وامتهانه: العلمية، والسلوكية، والدِّينية، والخُلُقية، مع إبراز أهمية كلٍّ منها في السلامة من الأخطاء الطبية.
المبحث الثالث: بيان ما لتضمين الطبيب والتشديد فيه من تفعيل لأهلية الطبية الواقية من الوقوع في الأخطاء.
شكر وتقدير:
و من شكر الله  أن أشكر إدارة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض على تنظيمها لهذا الملتقى، وقبولها لنا بالمشاركة فيه، واللقاء بأساتذة أفاضل، من أجل مدارسة هذه القضايا المعاصرة التي تهم أمة الإسلام وأبناءها.
هذا و أسأل الله  أن يجازي خيرا كذلك كلَّ الأساتذة الذي تلقَّيت العلم على أيديهم في قاعات الدَّرس بهذه الجامعة المباركة في الثمانينيات، فرحم الله الأموات منهم، وحفظ الأحياء وبارك في أعمارهم وأعمالهم.


 

السابق   -  التالي