الضوابط القانونية
و الأخلاقية لجراحات التجميل

 

إعـــداد

أ. د. رجاء محمد عبد المعبود محمدين
أستاذ بقسم الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية
كلية الطب – جامعة أسيوط ـ مصر

 
عناصر البحث
 ماهية عمليات التجميل
 أنواع الجراحات التجميلية
 الصور المختلفة لعمليات التجميل في العصر الحديث
 دواعي جراحات التجميل
 مشروعية عمليات التجميل
 شروط جواز الجراحة الطبية
 الجراحات المحرمة
 موقف التشريعات في الدول المختلفة من الجراحات التجميلية التكييف القانوني للعمل التجميلي
 طبيعة المسئولية الناجمة عن الخطأ الطبي
 المسؤولية الناتجة عن عمل الآخرين
 مدى مسئولية الطبيب عن الضرر الناتج إحدى الآلات التي يستخدمها و التي تقع تحت رقابته
  الخاتمة
 قائمة المصادر
 
ابيض
 
ملخص البحث
نظرا للتطورات العلمية والتقدم التكنولوجي في علم الطب أصبح الطب الجراحي لا يقتصر على الجراحة العلاجية لعلاج الأمراض فحسب، بل يوجد إلى جانبها جراحة أخرى وهي جراحة التجميل أو الجراحة لتحسين صورة الجسم وهي التي لا يكون الغرض منها علاج المريض بل إزالة تشوهات في الجسم، وجاءت جراحة التجميل تلبية ضرورية وعملية لتطور الحياة وما صاحبها من حوادث كالحروق وإصابات العمل والإصابات الناتجة عن استخدام وسائل المواصلات من طائرات، وسيارات، وكذلك الإصابات الناتجة عن مختلف الألعاب الرياضية.
وتتميز جراحة التجميل عن غيرها من الجراحات بأن إجراءها أمر كمالي أو تحسيني و ليس ضرورياً من أجل استمرار الحياة, كما أنها تجرى في ظروف متأنية ويكون المريض في حالة من اليقظة و التبصر, ولذلك اختلف الفقهاء حول شرعيتها و تشددت التشريعات فيما يتعلق بمسئولية الطبيب حين وقوع ضرر للمريض نتيجة الجراحة خلافا لما عليه الحال  في باقي أنواع الجراحات.
ويناقش البحث أنواع و صور جراحات التجميل, و الضوابط والشروط العامة لإجراء جراحات التجميل و الأحكام الشرعية الإسلامية و موقف التشريعات في كثير من الدول العربية و الغربية من هذه الجراحات, حيث إنه هناك خلاف في الفقه القانوني والاجتهاد القضائي حول تحديد طبيعة مسؤولية طبيب التجميل، أهو بذل عنايته أم تحقيق نتيجة، فيعتبر البعض أن التزام جراح التجميل هو التزام ببذل عناية، وليس بتحقيق نتيجة، ويبقى ضمن الإطار العام للمسؤولية الطبية. إلاّ أن هناك رأياً آخر يعتبر أن التزام جراح التجميل هو التزام بتحقيق نتيجة بحيث تقوم مسؤولية الطبيب عند فشل التوصل إلى النتيجة المطلوبة أو الحد الأدنى منها, ما لم ينف علاقة السببية بين فعله وبين الضرر الحاصل.
كما يناقش البحث الشروط الخاصة الواجب توافرها في رضاء المريض و طبيعة المسئولية الناجمة عن الخطأ الطبي  و مدى التزام الطبيب تجاه المريض و مدى مسئوليته عن خطأ أحد تابعيه أو عن الضرر الناتج إحدى الآلات التي يستخدمها الطبيب و التي تقع تحت رقابته  و هل تخضع عمليات التجميل لذات القواعد التي تخضع لها العمليات الجراحية الأخرى.
 
المقدمة
إن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، فجعله في أفضل هيئة، وأكمل صورة، معتدل القامة، كامل الخلقة حيث قال:     ( ). كما أودع فيه غريزة حب التزين والتجمل. ودعا إليها عن طريق رسله وأنبيائه فقال :           ﭜﭝ        ( ), ولقد قال r : " إن الله جميل يحب الجمال"( ).
و لقد عُرفت الجراحة التجميلية في العالم القديم, حيث استخدم الطبيب الهندي سوسروثا (Susrutha) ترقيع الجلد في القرن الثامن قبل الميلاد، فيما عُرف جرّاح آخر وهو من حواريي بوذا اسمه ديفاكا (Divak) عاش في القرن الرابع قبل الميلاد ، حيث قام بإجراء عمليات تجميل منها علاج التشوّهات الخلقية, و قام الرومان في القرن الأول قبل الميلاد باستخدام تقنيات بسيطة في عمليات تجميل لإصلاح الأضرار في الآذان.
أما في القرون الوسطى حيث كان شائعاً جدع الأنوف كنوع من التنكيل الذي يمارس ضد المجرمين وأسرى الحرب, فإن بعض الجرّاحين في الهند كانوا يقومون بإصلاح هذا التشوه باستخدام قطعة من جلد الجبهة لتغطي هذا العيب.
كما يفيد بعض الباحثين أن أول رسالة في علم جراحة التجميل ظهرت في عهد النهضة، لمؤلفها الدكتـور تاجليا كوزي الذي اشتهر بإصلاحه للأنف الذي شوّهه مرض الزهري( ).
وقد طوّر السير (هارول غيليز) النيوزيلاندي العديد من التقنيات الحديثة للجراحة التصنيعية أثناء معالجة الإصابات الوجهية في الحرب العالمية الأولى، ولذلك يعد أبو الجراحة التصنيعـية الحديثة، واستمر عمله حتى فترة الحرب العالمية الثانية عبر أول تلامذته (أرشيبالد ماك أندو) الذي أبدع معالجات الحروق الشـديدة التي يُصاب بها طواقم طائرات مكافحة الحرائق.
و لقد ظهر علم الجراحة التجميلية بصورة واضحة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية في أوروبا وأمريكا، وتطور جنباً إلى جنب مع علم الجراحة العلاجية، حتى انتشرت الآن في كثير من البلدان فكرة جراحة الشكل، لتحسين ومعالجة جمال الإنسان وفق ما هو مرغوب اجتماعياً ( ).
 وبالنسبة للإسهام العربي فهناك من التراث العربي في الفقه والحديث ما يشير إلى معرفة هذه التقنيات، فضلاً عمّا يعرف من العمليات الجراحية القديمة من قبيل الوشم وتفليج الأسنان وتجميل الأذن. وقد ورد ما يشير إلى عمليات التجميل التي تستهدف تجميل الأعضاء حيث يشكو المريض من زيادتها وذلك بقطع الزائد، ولذلك وقع النزاع بين الفقهاء في جواز أو عدم جواز هذه العملية( ).
ماهية عمليات التجميل:
يمكن القول بأن الجراحة التجميلية  (Plastic surgery)هي الجراحة التي تجرى لأغراض وظيفية أو جمالية؛ وهي بالمفهوم البسيط استعادة التناسق والتوازن لجزء من أجزاء الجسم عن طريق استعادة مقاييس الجمال المناسبة لهذا الجزء. وكلمة(Plastic)مشتقة من مصطلح إغريقي يوناني (Plastikos)؛ أي التشكيليات؛ وتعني النحت والصياغة، أو التشكيل،وعليه فإن جراحة التجميل (Plastic surgery) تعني الجراحة التصنيعية( ).
وتشمل العمليات الجراحية التجميلية العمليات التقويمية، والغرض منها إعادة بناء الجسم البشري إلى حالته الطبيعية، والعمليات الفنية الجمالية، التي يكون الغرض منها تحسين المظهر. لذلك يرى البعض أن تسمية جراحة التجميل ليست دقيقة ، والصحيح أن يقال: جراحة التجميل والتقويم. وقد عرَّف بعض القانونيين العمليات الجراحية التجميلية بأنها "مجموعة العمليات التي تتعلق بالشكل، والتي يكون الغرض منها علاج عيوب طبيعية أو مكتسبة في ظاهر الجسم البشري، تؤثر في القيمة الشخصية أو الاجتماعية للفرد ( )".
كما يمكن تعريفها بأنها":عمليات طبية جراحية تستهدف إدخال تعديلات وتغييرات على الجسم البشري؛ إما بهدف العلاج؛ كما هو في عمليات الترميم ومعالجة الحروق، وإما بهدف التحسين والتغيير وفقاً لمعايير الحسن والجمال السائدة" ( ).
وهناك تعريف آخر أكثر شمولاً حيث عُرفت العمليات الجراحية التجميلية بأنها "عبارة عن عمليات جراحية يراد منها: إما علاج عيوب خلقية أو عيوب حادثة من جرّاء حروب أو حرائق تتسبب في إيلام أصاحبها بدنياً أو نفسياً، وإما تحسين شيء في الخلقة بحثاً عن جوانب من الجمال أكثر مما هو موجود"، وهو الذي يقترب في واقع الحال مما يجري اليوم من عمليات تجميل. و لابد من ملاحظة قيدين في تعريف هذه العمليات، من حيث أنها:
أولا: جراحية، وعندئذٍ تستبعد عمليات التجميل التي لا توصف بأنها جراحية، بل هي عمليات تزيين ظاهري وسطحي، ولذلك يجب أن يتولى عمليات التجميل طبيب مختص.
 ثانيا: تستهدف علاجاً لعيوب خلقية أو حادثة تسبب لصاحبها أذىً جسمياً أو نفسياً، أو لمجرد التغيير والظهور بمظهر تستدعيه المعايير المتغيِّرة للجمال والحسن( ).

السابق  التالى