وجه الدلالة:
 قال النووي من زال عقله بسبب غير محرم كمن جن أو أغمى عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره على شرب مسكر فزال عقله فلا صلاة عليه، وإذا أفاق لا قضاء عليه( ).
وقد نوقش: بأن قياس المغمى عليه على المجنون غير مسلم به لأن المجنون تطول مدته غالباً وقد رفع القلم عنه ولا يلزمه صيام ولا شيء من أحكام التكليف وتثبت الولاية عليه( ).
الرأي الثالث: يلزم المغمى عليه قضاء جميع الصلوات التي فاتته حال إغمائه وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف( )، والحنابلة في الصحيح من المذهب( ).
جاء في رد المحتار: ومن جن أو أغمى عليه زال عقله ببنج أو خمر أو دواء لزمه القضاء وإن طالت( ).
جاء في كشاف القناع: وتجب الخمس على من تغطى عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح( ).
ولأن زوال العقل كان بفعله فلزمه القضاء وإن طالت مدة الإغماء( ). ولأن الإغماء لا يسقط فرض الصيام ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم، كما أن المدة لا تطول غالباً( ).
والراجح والله أعلم:
أن من زال عقله بالإغماء لايلزمه قضاء ما فاته من الصلوات أثناء ذلك إلا الصلاة التي أفاق في وقتها فيؤديها دون غيرها.
وبناءً على ذلك فإن من تعاطى مخدراً لإجراء عملية له لا يقضي ما فاته إلا الصلاة التي أفاق في وقتها فيؤديها وهذا من باب التيسير ورفع الحرج لقول عائشة رضي الله عنها: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ" ( )، وإن كنت أميل إلى الأخذ بالأحوط وهو أن يقضي جميع الصلوات.
وخاصة أن مدة زوال العقل بالبنج لا تطول فإن طالت فلا قضاء عليه، وهو ما أفتى به فضيلة الشيخ ابن عثيمين.
ولكن هل يجوز له الجمع بين الصلاتين قبل التخدير ؟
نجد أن الفقهاء اختلفوا في حكم الجمع بين الصلوات للمريض على رأيين:
الرأي الأول: جواز الجمع بين الصلوات للمريض جمع تقديم متى دخل وقت الأولى وهذا قول المالكية( )، والحنابلة( )، وبعض الشافعية( ).
وزاد الحنابلة جواز جمع التأخير أيضا.
وذلك لما ٌروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ" ( ).
فهذا الجمع إما أن يكون بالمرض وإما بغيره مما في معناه أو دونه، ولأن حاجة المريض أكثر من حاجة الإنسان في المطر( ).
وقد رُوي عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ  إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا" ( ) كما رُوي عَن ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  "جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ" ( )
وجه الدلالة: ظاهر الأحاديث تدل على جواز الجمع في السفر، والمريض أشد حالاً من المسافر وأشد مؤنة منه لشدة الوضوء عليه في البرد ولما يخاف عليه منه لما يصيبه من علة يشتد عليه بها التحرك والتحويل( ).
الرأي الثاني: عدم جواز الجمع بين الصلوات لأجل المرض وهذا قول الحنفية( )، والشافعية( ).
واستدلوا لذلك: بأنه  مرض أمراضاً كثيرة ولم ينقل عنه جمعه بالمرض صريحاً.
والراجح والعلم عند الله:
أن المريض يجوز له الجمع بين الصلوات لأجل المرض متى دخل وقت الأولى، لما ثبت أنه  جمع في السفر، وحاجة المريض أشد من حاجة المسافر.
وعلى ذلك فالمريض الذي سوف تجرى له عملية جراحية بتخدير كلي يجوز له الجمع بين الصلاتين متى دخل وقت الأولى جمع تقديم وهذا من باب التيسير للمريض ورفع الحرج عنه.

 
المطلب الثالث
الصلاة مع القسطرة والشرج الصناعي

الشرج الصناعي: هو الشرج المضاد للطبيعة يفتح جراحياً في جدار البطن عوضاً عن الشرج الطبيعي لمعالجة بعض الحالات المرضية مثل سرطان القولون وغيره أو بعض التشوهات الخلقية التي يولد الإنسان مصاباً فيها بإنسداد تام في فتحة الشرج وهو حالة مرضية لايستطيع المريض فيها أن يتحكم بإخراج الغائط، بل يخرج الغائط عبر فتحة الشرج المصنطعة على هيئة سلس مستمر وحكمه حكم من به سلسل( ).
ومن المعلوم شرعاً أن الخارج من السبيلين ناقض للوضوء لقوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﮊ ( ).
ولقول رَسُولُ اللَّهِ : "لا تُقْبَلُ صَلاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" ( ).
فإذا انسد المخرجان أو أحدهما وخرجت النجاسة من مكان آخر فلا خلاف بين الفقهاء الحنفية( )، والمالكية( )، والشافعية( ) والحنابلة( ) على أن الوضوء ينتقض بالخارج النجس سواء كان خروجه من ثقبة تحت المعدة أو فوقها إذا دام الانسداد للمخرج المعتاد.
جاء في البدائع: أما أصحاب الأعذار كالمستحاضة، وصاحب الجرح السائل والمبطون ومن به سلسل البول، ومن به رعاف دائم أو ريح ونحو ذلك ممن لا يمضي عليه وقت صلاة إلا ويوجد ما أبتلي به من الحدث فيه فخروج النجس من هؤلاء لايكون حدثاً في الحال مادام وقت الصلاة قائماً( ).
جاء في شرح مختصر خليل: وكذا ينقض الخارج من ثقبة أي خرق إذا كانت تحت المعدة وانسد المخرجان، فإن كانت فوق المعدة مع إنسداد المخرجين أو لم ينسد أو هي فوقها أو تحتها فقولان بالنقض وعدمه، والمراد بما تحت المعدة ما تحت السرة وبما فوقها ما فوق السرة( ).
جاء في المغني: خروج البول والغائط من غير مخرجهما لا تختلف الرواية أن الغائط والبول ينتقض الوضوء بخروجهما من السبيلين، ومن غير السبيلين ويستوي قليلهما وكثيرهما، سواء كان منسدين أو مفتوحين من فوق المعدة أو من تحتها( ).
واستدلوا على ذلك بالكتاب والمعقول:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﮋ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﮊ( ).
ومن المعقول: أن الخارج غائط وبول فنقض كما لو خرج من السبيل( ).
وبالتالي فإذا استمر خروج هذه النجاسة من غير المخرج الأصلي فإنه يأخذ حكم من به سلسل بول( ) أو دائم الحدث.
وقد اختلف الفقهاء في كيفية طهارة من به سلسل بول أو من به حدث دائم على ثلاثة آراء:
الرأي الأول: وجوب الوضوء لمن به حدث دائم لوقت كل صلاة فيصلي ما شاء من الفرائض الفائتة والنوافل على أن يكون وضوؤه بعد دخول الوقت وهذا قول الحنفية( )، والحنابلة( ).
واستدلوا بالسنة والمعقول:
أما السنة:
فما روي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لا إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ" ( ).
فالمراد بقوله : " ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ" أي لوقت كل صلاة ففيه مجاز الحذف( ).
وأما المعقول: فلأن العزيمة شغل جميع الوقت بالأداء شكراً للنعمة بالقدر الممكن وإحرازاً للثواب على الكمال إلا أنه جوز ترك شغل بعض الوقت بالأداء رخصة وتيسيراً فضلاً من الله ونعمة، تمكيناً من الفائت بالقضاء والقيام بمصالح العوام، وجعل ذلك شغلاً لجميع الوقت حكماً فصار وقت الأداء شرعاً بمنزلة وقت الأداء فعلاً، ثم قيام الأداء مبق للطهارة فكذلك الوقت القائم مقامه ( ).
الرأي الثاني: يندب الوضوء لمن به حدث دائم لكل صلاة إن عم الحدث أكثر الوقت لا إن عم كل الوقت، فلا ينتقض وضوؤه إلا إذا خرج منه حدث آخر وهذا قول المالكية( ).
واستدلوا على ذلك بما رُوي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ قَالَ: "لا إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ" ( ).
الرأي الثالث: وجوب الوضوء على من به حدث دائم لكل صلاة أي لكل فرض فيصلي بالوضوء فرضاً واحداً وما شاء من النوافل وهذا قول الشافعية( ).
واستدلوا على ذلك بالسنة: بما رُوي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لا إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ" ( ).
ففي قوله: " ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ" دليل علي أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة لكنها لاتصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية( ).
نوقش الاستدلال بهذا الحديث: بأن قوله : "لِكُلِّ صَلاةٍ" المراد منه الوقت فالصلاة تذكر بمعنى الوقت كما قال : "إِنَّ لِلصَّلاةِ أَوَّلا وَآخِرًا" ( ) أي الوقت للصلاة، فالمعنى فيه أن الأوقات مشروعة للتمكن من الأداء فيها حيث أن الناس في الأداء مختلفون بين مطول وموجز فشرع للأداء وقت، فإذا قام الوقت مقام الصلاة فتجدد الضرورة يكون بتجدد الوقت، وما بقي الوقت يجعل الضرورة كالقائمة حكماً تيسيراً في إقامة الوقت مقام الفعل( ).
والراجح والله أعلم: أن من به حدث دائم يجب عليه الوضوء لوقت كل صلاة فيصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض الفائتة والفريضة المؤداة، وما شاء من النوافل.
إلا أن يحدث به أمر ينقض الوضوء غير ما به من حدث كخروج ريح مثلاً أو غير ذلك من الأحداث التي تنقض الوضوء.
وبناءً على ذلك فإن صاحب القسطرة والشرج الصناعي عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة لأنه من أصحاب الأعذار ولا مانع من أن يصلي وهو يحمل معه العلبة التي فيها الغائط متصلة به، أو يحمل معه كيس البول للضرورة. ويمكن أن نضيف بأنه قد توصل علماء الطب إلى أنه يمكن لمن عمل له شرج صناعي تركيب عضلة عاصرة صناعية تعمل من بعد بواسطة الريموت كنترول / حيث يزرع صمام تحت الجلد يتحكم في نهاية الأمعاء عند فتحة البطن ويعمل بمثابة سداد للأمعاء، وفي هذه الحالة يستطيع قضاء حاجته متى أراد فلا تصاحبه النجاسه دائماً وبالتالي فلا يكون من أصحاب الأعذار( ).

 


السابق   -   التالي