أحكام التداوي في الإسلام

 

  
أحكام التداوي في الإسلام
د . أحمد محمد كنعان

ملخص:
التداوي هو تعاطي الدواء بقصد معالجة المرض أو الوقاية منه. والأصل في التداوي الإباحة، وقد كان النبي  يتداوي ويأمر بالتداوي لمن أصابه مرض، وقد أختلف الفقهاء حول حكم التداوي، فقال بعضهم إن تركه أولى لأنه أبلغ في التوكل على الله، ورد آخرون إلى أن التداوي لا ينافي التوكل ولا يعارضه، وقد ناقشنا هذه الآراء وانتهينا إلى أن التداوي قد يكون واجباً إذا كان تركه يفضي إلى تلف أو ضرر، وفد يكون مندوباً إن كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن، وقد يكون مباحاً إنْ لم يندرج في الحالتين السابقتين، وقد يكون مكروهاً إن كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها.
وقد ذكرنا في هذا البحث ضروباً مختلفة من التداوي، منها التداوي بالاعتماد على الله تعالى الذي هو أعلى درجات التداوي على الإطلاق، ومنها التداوي بالرقية، وبينا أن التداوي بهذه الأدوية لا يمنع تعاطي الأدوية المعتادة بل يقويه، وذكرنا كذلك التداوي ببعض ما ورد في باب الطب النبوي مما اوصى به النبي  وحض على استخدامه.
وبينا أنه يجوز بالإجمال التداوي بكل دواء يرى أهل الطب نفعه وموافقته للعلة، وأن من القواعد الجوهرية في التداوي إن أمكن. العدول عن الدواء إلى الغذاء أو الحمية، والاكتفاء بدواء واحد إن كان يفي الغرض، واستخدام الأدوية البسيطة بدل المركبة للتقليل من آثارها الجانبية الضارة للتداوي.
كما ذكرنا ما يحرم التداوي به، كالخمر والخنزير والميتة، والمواد المستخبثة، إلا لضرورة او حاجة تنزل منزلة الضرورة، بشرط أن يتعين علاجاً للمرض، ولم يوجد بديل عنه من الحلال، وأن يكون استعمالها بقدر الحاجة ودون تجاوز. كما بينا حكم التداوي بالعقاقير التي يدخل في تركيبها مادة الجيلاتين التي تستخلص من الحيوان، وحكم الأدوية المعدلة وراثياً، والأدوية الغفل أو الوهمية (Placebo)  .
كما فصلنا أحكام العلاقة ما بين الطبيب والمريض من حيث التزام الطبيب بمداواة المريض أو رفضه لها، وحكم الإنابة في المداواة، وحكم حرمان المريض من التداوي، وحكم استخدام الوسائل الحديثة في التداوي، وحكم التداوي عن يعد (Telemedicine)، وغيرها من الأحكام التي تحكم عملية التداوي، وانتهينا إلى عدد من التوصيات بشأن كل منها.


 
1 – تمهيد:
التداوي (Treatment)   هو تعاطي الدواء بقصد معالجة المرض أو الوقاية منه، وقد أصبح للتداوي في العصر الحاضر أشكال ووسائل عديدة جداً، منها: العلاج بالأدوية) (Drugs)، والعلاج بالجراحة، والعلاج النفسي، والعلاج الفيزيائي (Physiotherapy)   وغيرها كثير من الوسائل العلاجية المستجدة. الأصل في التداوي الإباحة عملاً بالقاعدة التي تقول: إن الأصل في الأشياء الإباحة، وقد كان النبي  يتداوي، وكان يأمر بالتداوي لمن أصابه مرض من أهله أو أصحابه، وكان النبي  يقول: (إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بالحرام) (1)، ويعمم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الحكم على جميع الأدواء فيقول: (وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها)( ).
 وقد أختلف أهل العلم في حكم التداوي: هل هو واجب؟ أم مندوب؟ فذهب بعضهم إلى عدم الوجوب اعتماداً على الأصل الشرعي الذي يقول إن الشافي هو الله تعالى، ويحتجون بما ورد في القرآن الكريم على لسان أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام حين قال: ﭧ ﭨ ﮋ ﯰ  ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﮊ [سورة الشعراء: 80]، وقول النبي : (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون) ( )، حتى صرح الحنفية بأن المجني عليه إن لم يداو جرحه ومات بسبب الجرح كان الضمان على الجاني لأن التداوي عندهم ليس بواجب على المريض.
غير أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ردَّ على الذين قالوا بترك التداوي توكلاً على الله، فقال: (إن التداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد يأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل, كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته أعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً)( )، وبناء عليه ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب التداوي في الحالات التي يغلب عليها الظنِّ الهلاكُ بسببها، لعموم قوله تعالى: ﭧ ﭨ ﮋ ﮤ                 ﮥ  ﮦ  ﮧ      ﮨ ﮊ    [سورة البقرة: ١٩٥].
أما مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابعة بجدة ما بين 12-17 ذو القعدة 1412هـ (الموافق 9 – 14 مايو 1992م) فقد أصدر القرار رقم 68/5/7 الذي فصَّل القول في مشروعية التداوي على النحو الآتي: (الأصل في حكم التداوي أنه مشروع، لما ورد بشأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، ولما فيه من حفظ النفس الذي هو أحد المقاصد الكلية من التشريع، وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص:
• فيكون واجباً على الشخص إن كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره كالأمراض المعدية.
• ويكون مندوباً إن كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن، ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى.
• ويكون مباحاً إن لم يندرج في الحالتين السابقتين.
• ويكون مكروهاً إن كان يفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها( ).
وهكذا نجد أن التداوي قد يكون واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، بحسب الحالة المرضية، وتأثير الدواء فيها، وهذا الأمر يترك تقديره للطبيب أولاً، ثم للمريض الذي من حقه ترك التداوي في بعض الحالات كما تبين بعد قليل.
2 – التداوي بالاعتماد على الله تعالى:
وهو اعلى درجات التداوي على الإطلاق، فإذا كان الشخص الصحيح لا غنى له على التوكل على الله عز وجل، والاعتماد عليه في حفظ صحته وعافيته، فكيف بالمريض الذي يكون في أمس الحاجة لهون خالقه؟ وقد بين الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أثر التوكل على الله تعالى في دفع المرض بأحسن مما تدفعه الأدوية مهما قيل في نفعها، وذكر في ذلك: (اعتماد القلب على الله، والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب.. فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم الأطباء.. وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية) ثم قال رحمه الله: (فإن القلب إذا أتصل برب العالمين، وخالق الداء والدواء، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء، كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه.. وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وتوكلها عليه أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية، وتوجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية؟! ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس, وأعظمهم حجاباً, وأكتفهم نفساً، وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسان)( ).


التالي