التنظيم الأخلاقي لعلاقة الطبيب بمريضه
في الشريعة الإسلامية
والمواثيق الدولية والنظم العربية المعاصرة

 

إعـــداد
الدكتور عبد القادر الشيخلي
عمادة البحث العلمي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الرياض1430هـ


 

 
حِكم شرعية

• قال الله تعالى:  ( )
• وقال عز وجل:    ( )
• وقال تبارك اسمه:                    ﭱﭲ          ( )
• قال الرسول r: (تداووا عباد الله، فان الله تعالى ما خلق داء إلا وقد خلق له دواء، إلا السام الهرم)( ).
• وقال المصطفى r: (ما انزل الله تعالى داء إلا وأنزل له شفاء)( ).
 
ابيض
 
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، إمام المرسلين وخاتم النبيين، المبعوث رحمة للعالمين، بتشريع للدنيا والدين، وعلى اله وأصحابه أجمعين وبعد:
أولاً -  ماهية الموضوع
لكل مهنة قواعد ذاتية تنظم نشاطها الخاص، وهي قواعد مستمدة من طبيعة المهنة، وهي طبيعة تخصصية. فإذا انتقلت إلى العنصر البشري من المهنة، إي لشاغلها أو منسوبيها فنكون إزاء أداء واجبات تفرضها المهنة نفسها، وهي تتجزأ إلى أعمال تتكامل بتحقيق أهداف المهنة، كما أنها تحوي محظورات تتطلب تجنب اقترافها.
وإذا كانت الواجبات والمحظورات تمثل الجانب المادي من التزامات منسوبي المهنة، فان الجانب المعنوي فيها يتمثل في أخلاقيات المهنة، لذلك فالقائم بأعمال المهنة قد يؤدي واجباته بصورة متدنية أو متوسطة، فحينئذ تنهض أخلاقيات المهنة لتلزمه بالأداء السليم أولاً، و بالأداء الذي يتسم بالجودة العالية والشفافية ثانياً. وهذا الجانب الأخلاقي من عمل المهنة هو الذي يجعل الأداء ينال قسطاً وافراً من الرضا الاجتماعي، فإذا انحرف شاغلو المهنة أو منسوبوها بشكل أو بآخر فيجري حينئذ تذكيرهم بأخلاقيات عامة خرقوها و بقيم مهنية لم يلتزموا بها. ومن ثم تصبح هذه الأخلاقيات بمنزلة ضوابط نظامية معنوية تحكم سير المهنة ويتعين التقيد الصارم بها شكلاً وموضوعاً( ).
ثانياً – أهمية الموضوع
يكتسب موضوع "علاقة الطبيب بمريضه" أهمية قصوى وذلك لأنه يخص مسائل الحياة والمرض والموت، فالطبيب هو الذي يهتم بهذه المسائل بحكم تخصصه المهني، والمريض يسعى إلى إزالة آلامه أو أوجاعه، بالإضافة إلى سعيه إلى تحسين صحته والارتقاء بقواه. وهنا تبرز الضرورة العملية المتمثلة في التناغم بين رغبة المريض و أداء الطبيب ومن ثم استيقان المريض بان أداء الطبيب في مستوى طموحه، فان حصل هذا فعلاً وعملاً، شعر المريض  بالارتياح والتفاؤل أما إذا حصل العكس فان ثمة آلاماً نفسية إضافية تداهم المريض تضاف إلى آلامه الأصلية: النفسية والبدنية.
والأمم ترتقي عند الاهتمام بمرفقي التعليم و الصحة، فالأول يزيد من وعيها وفهمها ويرقي سلوكها، بينما الثاني (الصحة) يمنحها البنية العقلية والنفسية والبدنية، الضرورية للإعمار و الإنتاج فالمرض يعد أحد العلل الكبرى لدى الأمم إلى جانب الفقر، والتخلف، وتلوث البيئة، ومن هنا فان اهتمام الأمة بالصحة العامة هو احد الاستراتجيات الكبرى للدولة المعاصرة.
"من الواضح أن لا أحد يمكن أن يكون مجرد عالم فقط ومن ضمنهم الطبيب، فالعلماء هم أيضاً مواطنون وآباء وأبناء وأزواج، لكن معتقدات العالم حول معنى العلم تمر غالباً من دون تمحيص، ونتيجة لذلك يخضع العلماء لتربية أخلاقية تزيد لدرجة كبيرة من قدرتهم على التقويم النقدي الصادق لمشروعهم. وكلما ازداد انتماء الأطباء لوجهة نظر علمية أكثر فأكثر فان مهنة الطب تصبح ضعيفة في مواجهة المرضى و المعاناة والدراما الإنسانية والتي لا يستطيع أي طبيب أن يتحاشاها.. أما الأطباء اليوم فهم أكثر سلطة وأكثر صمماً، واقل عجزاً بكثير في مواجهة المعاناة والآلام، ومع ذلك فهم أحياناً لا يسمعون الصرخات التي تصور عدم إمكانية الشفاء، إن قليلاً من التربية الإنسانية قد يشفي الأطباء من الصمم، ويجعل ذلك من علاج المريض الميئوس من شفائه أمراً سهلاً، لكن على الأقل سيترك الطبيب أقل عرياً في أجنحة المرضى"( ). إن الفضيلة الأخلاقية للطبيب تتشكل و تعلن عن نفسها إلى جانب سرير المريض و ليس في مختبر الأبحاث، إذا ما تمكن الطبيب من إظهار قدراته الإنسانية على التحمل أثناء معايشته مشكلات المرضى، فهو ينخرط في قصص إنسانية معينة، هذه الأمور ليست من مادة العلم، لكنها من الشعر، و من خلال ذلك تنكشف لنا مأساة الحياة الإنسانية للأفراد و التي هي إحدى إمتيازات مزاولة مهنة الطب( ).
ثالثاً- مشكلة البحث
تتمثل مشكلة هذا البحث في شعور الرأي العام بوجود ضعف في الحس الإنساني لدى بعض الأطباء، وفي الوقت نفسه يوجد نمو سرطاني في الحس التجاري لديهم، ومثلما لا يلتقي الإيمان مع الكفر، فالطب لا يلتقي مع التجارة. وعند اللقاء تسود لدى الأطباء نزعة تنمية الثروة المالية بشتى الطرق بدلاً من الاستجابة لأوجاع المرضى وآلامهم، فأحياناً ينشغل الطبيب في مستشفى حكومي برؤية مسلسل تلفازي في الوقت الذي ينزف المريض في ردهة الطوارئ الخالية من الأطباء، و قد يحتضر شاكياً ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
إن تباطؤ الطبيب في الاستجابة لنداء مريضه يشكل جريمة أخلاقية لا تغتفر، فحاجة المريض للطبيب هي حاجة فورية متجسدة في قلقه من حالته الصحية. و الطبيب الأخلاقي هو الذي يستجيب لرغبة المريض مهما بدت له غير مهمة، والمريض يتوقع استجابة الطبيب له حالاً لأنه بحاجة نفسية إليه، فإذا كانت ثمة خيبة آمل لدى المريض فهذا يعني أن الطبيب لم يكن في مستوى معيار الحس الإنساني المنشود، وهو حس أخلاقي بالضرورة والحتم.
و من جهة أخرى فان بعض الأطباء لا يدرك طبيعة الالتزامات والمحظورات المناطة به كحظر القيام بإجهاض الحامل أو حظر إفشاء أسرار المريض، و من ثم يستسهل اقتراف هذه الأفعال على الرغم من خطورتها القصوى على حياة المريض، أو سمعته، أو مستقبله.
إن طبيب الأسنان في القطاع الخاص قد يحتاج إلى (45) دقيقة لإتمام عمله لدى المريض إلا أنه قد ينتهي منه بـ (30) دقيقة لكون غرفة الانتظار في عيادته مزدحمة، ويرغب في الحصول على أجور عمل لكل هؤلاء المرضى ولو على حساب دقة عمله، ويحصل الشيء نفسه لدى طبيب العيون في القطاع الخاص إذ قد يحتاج إلى (30) دقيقة  لفحص المريض إلا انه قد يجري ذلك في (15) دقيقة، لا لسبب إلا لأن الازدحام في غرفة الانتظار يؤرقه و يخشى من ضجر بعضهم مما يدفعه إلى انسحابه من العيادة، وهكذا يسري هذا المثال على بقية شاغلي التخصصات الأخرى.
إن تعزيز الأخلاقيات الطبية وتفيعلها يؤديان لاسترداد الحس الإنساني الرفيع عرشه لدى المجتمع الطبي.

السابق  التالى