ماذا يريد أرباب الفتنة الحوثيون من استهداف أرض الحرمين ؟

الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الله أبا الخيل
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام ، وألف بيننا وجمعنا على قيادة الخير والأمن والسلام ، ونسأله أن يعيذنا من الفتن الجسام ، والصلاة والسلام على خير الأنام وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ، أما بعد :
فإن هذه الجزيرة المباركة ، والوطن الآمن المملكة العربية السعودية لا يزايد أحد على أهميتها وما حباها الله عز وجل من خصائص وميزات ، وكنوز وخيرات ، ومكتسبات ومقدرات ، يكفي أنها بلد الإسلام ، ومهد الرسالة ، ومهبط الوحي ، ومأرز الإيمان ، وموئل العقيدة ، اصطفاها الله سبحانه واختارها ليجعلها قبلة المسلمين ، ومهوى أفئدة المؤمنين ، فيها تردد التنزيل ، وجمعت خير أمة أخرجت للناس ، والله سبحانه يصطفي من الأشخاص والأماكن والأزمنة مايشاء : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ } { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } ومن يستقرئ تأريخ هذه الجزيرة بعد توحدها في ظل الإسلام يجد أنها ظلت مئات السنين في صورة من الفوضى والاضطراب والنزاعات والتفرق ، حتى من الله عليها ، وهيأ لها ولاية راشدة ، وقيادة حكيمة لتكون سبباً في نصرة الدين ، وإقامة شريعة الله ، وحماية عقيدة التوحيد الصافية ، وكان قيامها بهذا الشأن سبباً في التمكين والاستخلاف الذي كتب الله وعده به ، وجعله سنة ماضية إلى يوم القيامة لمن أقام دين الله : {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ } { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ} .
هذه البداية هي الأساس المتين لدولة التوحيد منذ قامت ، وظل الأساس قوياً حتى تم توحيد هذه الأرض الطاهرة ، والثرى المبارك على يد الملك المؤسس الباني المغفور له بإذن الله الملك الصالح : عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه ، وتم – ولله الحمد – قيام أعظم وحدة في العصر الحاضر على أساس راسخ ، وأصل أصيل ، ومنهج ثابت ، يعتمد حكم الشريعة أصلاً ، ونصرة العقيدة والدين هدفاً ، والأخذ بأخذ سلف الأمة منهجاً ، ونصرة قضايا المسلمين والإسهام بثقلها الريادي والعالمي في دعم كل ما من شأنه وحدة المسلمين وتضامنهم ، والوقوف معهم في قضاياهم ، والمحن والنوازل التي يقدرها الله سبحانه ، وتحل بأي مسلم بل وبكل إنسان على وجه الأرض ، معتمدة في ذلك على ما ورد من نصوص الأخوة والنصرة ، والوحدة والتآلف ، ممثلة قول المصطفى : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) آخذه بقاعدة الأولويات والموازنة بين فقه المصالح والمفاسد ، فلا يعني قيامها بهذا الواجب تدخلاً في شؤون الآخرين أو اعتداء أو لمصلحة طرف على حساب الآخرين ، ولذا فإن جمهورية اليمن الشقيقة هي من أول الدول التي تربطها علاقات جوار وأخوة ، وساهمت المملكة ودعمت بل ورعت كل ما يحقق مصلحة اليمن الشقيق ، وينهض بها ، فهذا الشأن من ثوابت المملكة التي قامت عليها ومكنتها من الثبات والاستقرار ، وأثمرت ثماراً عظيمة ، ونتائج مبهرة ، بلغت بها الآفاق ، وأوصلتها إلى مصاف الريادة والعالمية ، واستمرت هذه الدولة متمسكة بالأصول آخذة بكل سبب يؤدي إلى النهوض والارتقاء ، منتهجة منهج الصلاح والاصلاح وتوفير كل أسباب الرفاهية ورغد العيش لمن شرفهم الله بالانتماء لهذا الوطن العظيم المملكة العربية السعودية ، يقال ذلك تحدثاً بنعمة الله ، وتذكيراً بهذه الأصول ، وإظهاراً لقوة البناء والتماسك ، وعظم الصلاح والإصلاح الذي تعيشة بلادنا المباركة ، ليتم من خلال هذه الصورة الشرعية الوطنية بيان حجم إفساد أولئك العابثين المجرمين المتسللين الغادرين ، الذين باعوا ذممهم ، واتبعوا أهواءهم ، وأصبحوا أداة لدعاة الفتنة والطائفية والإرهاب في تعاون بغيض آثم لا يزايد أحد على أنه تعاون على الإثم والعدوان ، بل أعظم الجرم وأعظم الإفساد وفي أي بقعة؟ في بلاد الحرمين ، وقبلة المسلمين ، وإذا كان الله سبحانه بين في كتابه في نصوص كثيرة أن الصلاح والإصلاح هدف رئيس ، ومقصد أكيد من إرسال الرسل وإنزال الكتب ، وهو سمة عباد الله الصالحين ، وبين في مقابل ذلك أن الفساد بكل صوره فساد القول أو فساد الفعل ، أو فساد المعتقد ، الفساد الحسي والمعنوي كل ذلك مذموم ومبغوض عند الله ، وهو من عمل اليهود والمنافقين ، وغيرهم من أصناف الكفر وأرباب الفتنة ، قال الله تعالى : { وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ }، وقال جل شأنه : { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا } ، وقال سبحانه عن موسى وأخيه : { وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، وقال عن اليهود : { وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ، وقال عن المنافقين : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ }، وحينما يقف المتأمل على دلالة قوله سبحانه : { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا } ليرى أن صورة الفساد والساعي ؛ مذمومة لا يحبها الله ، وليس ثمة فساد يحبه الله ، لكن وقوع الفساد بعد الصلاح ، واستهداف صلاح قائم تمثله المقومات الشرعية ، واللحمة بين الراعي والرعية ، وقيام الدين وإقامة العدل فاستهداف هذه الصورة المثالية بنشر الفساد وزعزعة الأمن ، وبث الرعب والفوضى أعظم إثماً وجرماً عند الله مما لو كان الأمر بخلاف ذلك ، وهذا ما يظهر
قبح فعل أولئك الحوثيين الخونة العابثين الذين كان ديدنهم وشأنهم منذ بدء فتنتهم في بلادهم ، وبين بني جنسهم وقومهم الفتنة والفرقة والاختلاف ، بل وإيواء كل من يرون فيه أنه يخدم هذا الهدف لهم لا في وطنهم وبلدهم ، بل في كل بلدان المنطقة خدمة لمن هذا شأنهم ، وتلك سياستهم في المنطقة برمتها ، إن من يتابع تأريخ هذه الفتنة المتمثلة في هؤلاء الحوثيين ليلفت نظره أول ما يلفت أن هذه النسبة توحي بالتجرد من القيم والوطنية ، والانتماء إلى القبيلة يشعر بالتمرد على السلطة ، والتملص من المسؤوليات الشرعية والاجتماعية ، ويدل دلالة أكيدة على أن أولئك لا يريدون بفعلهم وفتنتهم إلا الفوضى والفساد وزعزعة الأمن ، لأن من يرتكب أمراً من الأمور يجد أنه في ظل وجود الانتماء ولو في أدنى صورة ، وفي ظل وجود النزعة القبلية والاجتماعية يواجه ضغوطاً كبيرة لا يتمكن من المواجهة في ظلها إلا إذا كانت ثمت مبرر يخرج به عماهم عليه ، ولذا يعجب المرء أنه حتى في ظل قيام الفتنة في الإطار الداخلي أنهم لا يحلمون أجندة يريدون تحقيقها ولا هدفاً يرومون الوصول إليه إلا الفتنة : { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ } ، ولذ وجد فيهم أرباب الفتنة والضلال من دول وجماعات موئلاً ثابتاً ، ومأزراً يتخذونه ذريعة لهم للوصول إلى مآربهم ، فالدول التي لها أهداف في المنطقة احتضنتهم منذ البداية ، ورعتهم بل ودافعت عنهم بكل ما أوتيت ، رغم أنه قد يستغرب هذا التواصل المشؤوم عندما يستحضر البعد الأيدلوجي ، لكنه غير مستغرب إذا اتفقت الأهداف السياسية التي يراد منها نشر الفوضى الخلاقة في المنطقة ، وخدمة الأعداء عموماً بمثل هذه الحركات التي تستنزف قوى المنقطة ، وتقوها إلى الانقسام وتنظيم القاعدة الذي حمل لواء الإرهاب في المنطقة ، وعانت البلدان عموماً وهذا الوطن الآمن من فتنتهم ، وكونوا خلاياهم في الداخل والخارج ، وصارت تلك الخلايا مصدر إزعاج وفتنة ، فما يمر زمن إلا وتبتلي البلاد بشيء من ذلك ، وتستنزف الجهود في مواجهتهم نجد أن صلته بهؤلاء الحوثيين لا تخفى ، ولم تقتصر هذه العلاقة على الدعم المادي فحسب بل شمل التأييد والمؤازرة بل والتجنيد والتجييش لكل من رام بلده بسوء ، ولذا فلا غرابة أن كانت مرابع الحوثيين مقصداً للفارين من بلادهم ، الذين عادوا وطنهم وأمتهم ومجتمعهم ، وما حصل من تصريحات متزامنة بتقاذف الاتهامات بين الحوثيين والقاعدة ما هي إلا ذر للرماد على العيون ، ومحاولة لصرف الأنظار عن هذه العلاقة الآثمة ، وتوظيف ذلك في تسويق أهداف ، وتبرئة الحوثيين من الإرهاب والفساد ، وإلا فإن الحقيقية هي توزيع للأدوار بين هذين الحليفين الذي جمعهما فساد الفكر وفساد القول والفعل ، وإذا كانوا يحاولون هذه المحاولة اليائسة فكيف يمكنهم ذلك مع ما قاموا به من أعمال إجرامية في بلادهم ، فقد قتلوا الأطفال والشيوخ ، ووظفوا الأطفال في مثل هذه الأعمال ، وقاموا بأعظم فساد ، وعانى منهم أول ما عانى وطنهم وبلدهم ، ثم حاولوا توسيع دائرة هذا الفساد في المنطقة باستهداف هذا الوطن الغالي ، وفي توقيت يدل على تأصل الشر والفساد في عمل هذه الزمرة الباغية ، في استقبال الحجيج ، وورود المسلمين من كل فج عميق إلى هذه البقاع الطاهرة ليؤدوا مناسكهم ، ويقضوا تفثهم ، ولذا فإن عملهم وفتنتهم جريمة بكل ما يحمله الإجرام من معنى ، بل جرائم متتالية : أعظمها : استهداف بلاد بما حباها الله من ميزات وخصائص ، وخدمة أعداء الدين وأرباب الفتنة من الصفويين بهذه المساهمة الشيطانية ، ومنها : انتهاك حرمة الأشهر الحرم ، التي أخبر الله ببقاء حرمتها إلى قيام الساعة ، قال الله سبحانه : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } ، وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } ، ومنها : تجنيد وتجييش من يرونهم يخدمونهم في هذا الهدف من الجماعات والأفكار المنحرفة ، ومنها توظيف الأطفال والنساء والشيوخ في هذه المواجهة ، والتترس بهم ، ومنها التأثير على موسم الحج بمثل هذه الأعمال الغوغائية ، واستنزاف جهود المسلمين ممن يزعمون الإسلام ، ومع عظم الابتلاء ، وفداحة هذا الجرم إلا أننا واثقون بوعد الله ، مطمئنون بحفظ الله لهذه البلاد المباركة ، مغتبطون مستبشرون بما قام به رجال أمننا البواسل ، وقواتنا المسلحة المباركة ، التي أثبتت بما يقطع الطريق على كل مفسد ومبطل أنها قادرة – بعون الله وتأييده – على ردع المعتدين المجرمين ، وذلك بتوفيق الله لها ، ثم بما خصها به ولاة أمرنا الأوفياء ، وقيادتنا الحكيمة من إعداد وتهيئة ، ورعاية وعناية ، وتذليل لكل العقبات ، وتطوير للطاقات والقدرات حتى أصبحت هذه القوات في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد ، والقدرة على المباغتة والمفاجأة بما تلقوه وعاشوه ، وبما يحملونه من بعد إيماني عقدي ، يرون فيه أن الدفاع عن أرض الحرمين ، ووطن الإسلام المملكة العربية السعودية رباط في سبيل الله ، وجهاد لإعلاء كلمة الله ، وحماية لأمن المسلمين وحرماتهم ، وبما يحملونه من بعد وطني يحملهم عليه محبتهم لهذا الوطن العزيز الذي تهون دونه كل التضحيات ، فالحمد لله الذي هيأهم لهذه المهمة المقدسة ، والحمد لله على تلك الروح العالية والمعنوية المرتفعة التي هي من أعظم مقومات النصر الذي تحقق بما أعلنه ولاة أمرنا من أحكام السيطرة على البلاد وردع هؤلاء المعتدين ، وإن حقاً على كل مواطن شرف بالانتماء إلى هذا الوطن ، بل كل مسلم أن يدرك عظم هذه الفتنة ، وخطورة هذا الاستهداف ، وجرائم أولئك الحوثيين ، وأن ينظر في مقابل هذه المحنة إلى ما أنعم الله به علينا ، وما هيأ له ولاة أمرنا وما حفظ الله به بلادنا فيحمد الله سبحانه ويشكره على هذه النعم المتوالية ، والآلاء المتتابعة ثم يلهج بالثناء والدعاء لولاة أمرنا وعلى رأسهم ملك الحكمة والسداد والإنسانية المليك المفدى خادم الحرمين الشريفين – أيده الله بتأييده ، ونصره بنصرة ، وأمد في عمره على الطاعة والأيمان ، وكذا عضده الأمين ، وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ، وسمو نائبة الثاني صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز ، جعلهم الله ذخراً وفخراً وعزاً للإسلام ، ونصر بهم الدين وأهله ، ثم التقدير والإجلال لرجال أمننا وحراس وطننا البواسل ، نسأل الله أن يتقبل من قضى منهم شهيداً ، وأن يخلفه في أهله وولده خيراً ، وأن يبارك في البقية الباقية ، ويجعلهم حماة لدينه ، ذائدين عن بلاد الإسلام والمسلمين .
وبعد : فإن هذه الفتنة التي نسأل الله أن يمكن منها ويقضي على أربابها توجب على الجميع تقوى الله سبحانه ، والشعور بتحمل المسؤولية كاملة ، كما أنها درس لبعض أولئك الشباب الذين تورطوا في الفكر المنحرف وأعمال الإرهاب أن يدركوا أنهم أول ما يخدمون أعداء الدين باسم الدين ، والدين من أعمالهم براء ، فليعودوا إلى رشدهم ، ولينظروا إلى ما حصل نظر اعتبار وتفكر ليكون لهم في ذلك مزدجر ، نسأل الله سبحانه أن يحفظ على هذه البلاد أمنها ورخاءها واستقرارها ، وأن يحفظ ولاة أمرنا من كل سوء ومكروة ، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ،وأن يدفع عن هذه البلاد مكر الماكرين ، وفساد المفسدين ، وعدوان المعتدين إنه سميع محيب ، والحمد لله رب العالمين .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
أ.د. سليمان بن عبدالله أبا الخيل
مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية