الكراسي لماذا؟
تقوم فكرة كراسي البحث العلمي على الشراكة بين المؤسسة الأكاديمية وشخصية أو جهة ما خارجها، لدعم وتطوير مجال علمي متخصص، بحيث تقدم هذه الشخصية أو الجهة التمويل اللازم لذلك، في حين تتولى المؤسسة الأكاديمية تهيئة البيئة البحثية اللازمة لنجاح الكرسي، إلى جانب الإشراف على تنفيذ الكرسي لمهامه وتحقيق أهدافه.
وتكاد أدبيات البحث في تاريخ العلوم تجمع على أن ظهور الكراسي العلمية بمفهومها الحديث يعود إلى بدايات عصر النهضة الأوروبية حيث كان الحكام والنبلاء في إنجلترا يقدمون جوائز مالية قيمة لمن ينجح في تحقيق إنجاز علمي مهم، ثم تطورت لتصبح مورداً ثابتاً لتمويل الجامعات والمؤسسات البحثية في معظم دول العالم، ومن ثم تم تحويلها إلى مرتبة علمية تسند للكفاءات العلمية المتميزة ممن لهم إسهامات بحثية عالية الجودة في مجال تخصصهم.
لكن هذا الجزم بأسبقية إنجلترا في طرح هذا المفهوم ينبع من نزعة "المركزية الغربية" التي تختزل تاريخ العالم في التاريخ الأوروبي قديمه وحديثه، وهي بذلك تلغي تجارب الأمم السابقة وحضاراتها، ومن بينها الحضارة الإسلامية التي حفلت بنماذج رائعة للشراكة المجتمعية في مجال دعم العلوم والمعرفة، في مقدمتها الأوقاف التي كانت أهم موارد التعليم في التاريخ الإسلامي، وأكثرها تنوعاً إذ تعددت أشكال الوقف ومجالاته بتعدد الأهداف المرجوة من وراء كل مؤسسة تعليمية ، فهناك الكُتاب؛ لتحفيظ القرآن ومعرفة أساسيات الدين الإسلامي، وهناك المسجد الجامع؛ لدراسات أكثر تعدداً وتعمقاً، وهناك المدرسة أو الكلية؛ وهي دراسة أكثـر تخصصاً وتحديداً ، وتتطلب تفرغاً كاملاً وإقامة داخلية في المدرسة ، وهناك البيمارستان؛ لتلقي العلوم الطبية ، والمراصد لتلقي علوم الفلك إلى غير ذلك من المؤسسات التعليمية التي أبرزتها الحاجات الجماهيرية ، ودعمتها مالياً الأوقاف المتعددة.
كما كان الخلفاء والأمراء والوزراء وبعض الوجهاء والأثرياء في العواصم والمدن الإسلامية يقدمون الجوائز القيمة لكل من يقدم مشروعاً علمياً متميزاً، سواء بالتأليف أو الترجمة أو الشروحات والتلخيصات ونحوها.
وقد عرفت بلادنا العزيزة طيلة تاريخها المجيد نماذج مشرفة من هذا الدعم المجتمعي للعلم والعلماء، سواء عبر الأوقاف أو من خلال الهبات والمنح والتبرعات والجوائز، وبخاصة في المدن الكبرى والعواصم العلمية مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والأحساء والدرعية والرياض وجازان وغيرها.
لكن الكراسي العلمية بمفهومها الحديث لم تظهر إلا أخيراً إذ لم يكن نظام الجامعات السعودية يسمح لها بقبول تبرعات أو هبات خارجية، ولذلك فقد تأسست الكراسي العلمية السعودية أول الأمر في عدد من العواصم العربية والأوربية مثل: كرسي الملك فهد للدراسات الإسلامية في جامعة لندن، وكرسي الأمير سلطان للدراسات الإسلامية والعربية بجامعة بركلي في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكرسي الأمير نايف لتعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة موسكو.
وبعد صدور اللائحة الموحدة للجامعات السعودية التي تضمنت السماح للجامعات بتوفير مصادر تمويل إضافية أصبح الطريق ممهداً لتقديم برامج الكراسي العلمية في الجامعات السعودية، وكانت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في طليعة الجامعات التي عملت على تقديم هذه الفكرة وفق رؤية واضحة، وفي إطار تنظيمي محدد حيث وجه معالي مدير الجامعة بتشكيل لجنة برئاسة وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي لإعداد التنظيمات الخاصة بكراسي البحث العلمي في الجامعة، وقد درست اللجنة التجارب العالمية والمحلية في هذا المجال، وأنجزت اللائحة المنظمة لكراسي البحث في الجامعة التي وافق عليها مجلس الجامعة بقراره رقم ( 1995/ 1428-1429هــ)، المتخذ في الجلسة الرابعة لمجلس الجامعة للعام الجامعي 1428-1429هــ المعقودة بتاريخ 17/2 /1429هـ، وقد بينت اللائحة أن كراسي البحث وحدات أكاديمية تُنشَأ في الجامعة؛ بهدف تهيئة البيئة البحثية والاستشارية والتدريبية اللازمة لنمو مجال علمي متخصص، وتُمَوَّلُ كراسي البحث من مصادر خارج ميزانية الجامعة، وتتمتع بمرونة إدارية ومالية.